السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

الاستعمار متهم .. من جديد

هناك من يذهب بعيداً في الرأي ويصور أن الصراع التاريخي الذي نشب بين العرب والغرب متمثلاً في اجتياحات الدول الاستعمارية قديماً للأراضي العربية، ماتزال آثاره وأصداؤه علينا قائمة حتى الآن ولم يخفت مداها رغم مضي السنوات الطويلة وعلى رأسها النعرات الطائفية. لكنْ وبالقليل من التتبع التاريخي للوقائع يسهل اكتشاف هشاشة هذه الرؤية وبطلان ما تنضوي عليه من مبالغات تخديرية تشعر متلقيها بأننا كنا سنصبح أرقى حالاً لولا مخلفات هذه الورطة الاستعمارية. ما نحن متأكدون منه هو أن هذه التوترات في واقعها أمراض تنبعث من الداخل ولا يد خارجية قادرة على تخليقها، إنما يمكن أن تكسبها الأيدي الخارجية في مصلحتها متى ما استلزم الأمر. ليس هذا دفاعاً عن الغرب وعن نقاء تركة الاستعمار على أراضينا، إنما يمكن أن تسوغ تلك المتواليات الكارثية الخارجية باعتبار المستعمر عدواً، وتوقُّع إحلال الخير معه أمنيات صعبة التحقق، إنما يبقى جوهر أزماتنا الكبرى متمثلاً في صراعاتنا الداخلية التي تعد أسوأ بكثير من صراعاتنا مع الآخر البعيد -المستعمر-، مجموع ما كلفته الحروب الأهلية في كل من اليمن والعراق وسوريا ولبنان وجزائر ما بعد الاستقلال وليبيا أكثر مما استنزفته دول الاستعمار، ليس بالكم فقط ولكن بالكيف أيضاً. في السودان وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً هناك سبعة ملايين مشرد وثلاثة ملايين قتيل، أما عن التصفية في الجزائر فقد أتت على أكثر من نصف مليون في اقتتال خاص بين الجزائريين أنفسهم، هذه انقضاضات بهيمية لم يصنعها المستعمر، ولو فعل ما يقترب من هولها فقد اختار أصلاً أن يخوض الصراع بصفته نقيضاً وضداً و(آخر)، لكن نحن لم نرحم أنفسنا أبناء الجلدة الواحدة من فظاعاتنا، ومارسنا بحق بعضنا ما هو أشنع بكثير من أساليب المستعمرين على أساسات عرقية وقبلية، ولهذا نستحق حمل الإدانة مضاعفة. قراءة أمينة في التاريخ بعيداً عن حصار العاطفة وتكبيل الرغبات تتكفل بإهدائنا صورة واضحة للأوضاع مصفاة مقطرة من دون تزوير وغش، فالتاريخ يخبرنا بأن الاستعمار رحل منذ أكثر من ستين عاماً عن منطقتنا العربية، بمعنى ها قد أصبحنا ومنذ فترة طويلة بمفردنا وغابت ذريعة العدو الآخر، فماذا فعلنا نحن فيما بيننا سوى سفك دماء بعضنا بعضاً بكل هذه الهمجية؟ وما معنى وسر كل تلك البغضاء الداخلية؟ الاستعمار شماعة مردود عليها وما عادت تحتمل المزيد لنعلق عليها كل بلاوينا، هذا الاستدعاء التاريخي لمترتبات الاستعمار لا يجعل منا ضحايا دائمين، فبزواله يفترض أن كل شيء من تبعاته قد انقضى معه، لكن مادام لتلك النعرات خاصية الأزلية رغم رحيل المستعمر، فهذه دلالة على أن التغذية الممنهجة التي تتلقاها تلك الأمراض تتم بصورة داخلية، وعليه فهي لم تنتهِ بعد ولن تنتهيَ.
#بلا_حدود