الجمعة - 09 ديسمبر 2022
الجمعة - 09 ديسمبر 2022

قطيعة كلية بالقديم

كان الفيلسوف غاستون باشلار ـ وهو من أصحاب الفكر المعاصر ـ يعتقد بأن العلم الكلاسيكي يشكل عائقاً معرفياً أمام تقدم العلم المعاصر، وبهذا الحال فإن التناقضات والتنافرات الحاصلة بين القديم والجديد في المجال العلمي هي ما دفع العلم ناحية التطور، بمعنى أن القوانين العلمية تتجدد بناء على اكتشاف الأخطاء السابقة والاصطدام بمحتوى علمي جديد يربك الحسابات الأولى، ويضطر العامل فيه إلى المراجعة ونفيها كلياً، بدليل أن العصور التي بزغت فيها الكشوفات العلمية كانت قد حطمت المعرفة الكلاسيكية وتبنت نتائج أخرى بعيداً عن النظرة الشاعرية والتقليدية للظواهر الكونية التي بقيت بدورها محتجزة في سياقها التاريخي الذي ظهرت فيه، فظهور النسق الإكسيومي أو منظومة الأوليات في الرياضيات المعاصرة مثلاً، لم يكن ليتبدى إلا حينما انتُقدت مبادئ ونتائج الرياضيات الكلاسيكية. كما أن فيزياء هايزنبيرغ ونسبية آينشتاين تجلت وقت أُلغيت فكرة المطلق، وتجاوزت مرحلة المجال عند نيوتن وغاليليو. لكن وبالنظر في هذا الرأي فهل يمكن القول بدقة إن تطور العلم كان بالفعل حصيلة قطيعة معرفية بكل صلة بالمعارف السابقة، ودونما انسجام بين التقليدي والحديث، أم هو تطور بضمان استمرارها؟ في الحقيقة فإن ميزة العلم أنه يؤسَّس بصورة تراكمية متصاعدة كالبناء الرأسي، يتم الانتقال فيها في كل مرة إلى أعلى البناء، بخلاف بعض المعارف والأنشطة العقلية كالفلسفية مثلاً، والتي لم تكن ترتقي إلى أعلى لكنها تمتد امتداداً أفقياً، فلم تكن يوماً تراكمية ولا تبدأ من حيث انتهى غيرها، بل يمكن أن تصل لتوجيه النقد ونسف ما سبقها وتتخذ لنفسها نقاط بداية جديدة، ولهذا يمكن أن نراها في جدال مستمر بين القديم والجديد منها بلا إجماع على رأي واحد متفق عليه إجمالاً. أما العلم فيختلف طبعاً، وباختصار فإن العلم المعاصر لم يحل هكذا فجأة ومن فراغ، ولم يكن ينتهج بتر السابق منه، هذه ممارسة كارثية قد تضعف العلم وتوقعه في مأزق التأخر والبدء من جديد، ويمكن أن نصف العلم كسلسلة من الجهود المتصلة، بحيث لم يكن العلم الكلاسيكي يمثل سوى اللبنة الأولى للمعرفة العلمية المعاصرة حتى وإن أوحى المعاصر والقديم بطبيعة الاختلاف الكبير بينهما، ويؤكد أوغست كونت في نظرته الاتصالية الأقرب للصحة بأن تقدمية العلوم ترجع إلى تواصل وتجديد عهد بين معارفه الأولية واللاحقة، بشكل بدأ بطيئاً ساذجاً وانتهى دقيقاً، وهو نشاط نوعي مستمر ينطلق من معارف سابقة أولاً ثم سرعان ما يسعى إلى تصويبها بحسب المعطيات المعاصرة دون غربلة لها أو سعي لنسفها، وهكذا يكون قد اتخذ من تلك المعارف منصات انطلاق ترفعه لأعلى، لكنها لا تشكل له بالتأكيد حكماً مطلقاً يثبت عنده ولا ينتقل لغيره.