الأربعاء - 30 نوفمبر 2022
الأربعاء - 30 نوفمبر 2022

أبيض أصفر .. والدمعة لا لون لها

(ثوبك أبيض .. وأنت أجمل أخ في الدنيا كلها). تصف لنا القاصة الإماراتية (سارة النواف) في قصة (الصور القديمة) من مجموعة (حوار صامت) علاقة قوية تربط بطلة القصة بأخيها الشاب الوسيم، وهي علاقة يمكن ملاحظتها من إصراره الدائم والمستمر على أخذ رأيها، بنصاعة ثوبه و(غترته)، في كل مرة أراد فيها الخروج من المنزل رغم أنه يكبرها بسنوات كثيرة. وهي الطفلة التي تلهو ولا تهتم إلا لأمر الدراهم التي سينقدها إياها، فتجري مسرعة نحو البقالة وهي تقول له ببهجة: (أنت أجمل أخ في الدنيا). لكن الزمن يغدر، ولا شيء يبقى على حاله، فالثوب صار أصفر، والغترة أيضاً، والأخ الوسيم الأنيق الجميل لم يعد كذلك. وفقد اللون بريقه، وفقد الشاب حيويته. تخاطبه ملاطفةً: (كندورتك تميل إلى الصفرة قليلاً) فيجيبها لا يهم.. لا يهم..! إنه الإدمان كما تقول البطلة، فتك بالشاب الجميل، وقضى على رغبته في الحياة، ولم يبقَ أمامها سوى تأمل الصور القديمة، واسترجاع ذكريات أيام انقضت. كانت السعادة فيها تعلو وجوه الجميع، ثم خفتت. ها هي: (صور عديدة.. أمها وأبوها في صورة مميزة تم التقاطها في استوديو خاص.. أخواتها اللاتي تزوجن.. أخوها وزوجته قبل أن تتركه يأساً منه.. والعديد من الصور.. توقفت عند صورته.. كم كان يبدو وسيماً وأنيقاً.. شاباً تملأه الحيوية والقوة، والأناقة سمته). ألا تدعو كل تلك الصور إلى الحسرة لأن العدسة تحفظ ملامح ترحل، ويبقى القلب نابضاً بالحب يجدد المشاعر ويحييها ويصونها؛ فمنه تجتاح الإنسان الأحاسيس بحلوها ومرها، ومن بين دفقات شرايينه تطفو السعادة والأسى أيضاً. وتحاول القاصة أن تجد مُتنَفساً للصغيرة لتبكي وتثور وتغضب وتتألم على حال أخيها، لكن الفعل يبقى غائباً.. أوَ تستطيع حقاً أن تفعل شيئاً؟ ليس أمامها إلا الأسف (كم أتمنى لو لم يكن فارق العمر كبيراً بيننا.. ربما كلمته)، والأخ يضيع. الأم تتفرّج بصمت وتتألم، ويضيع الأخ. والأب يغضب ويلعن ويشتم ويقول (عن أي ابن تتحدثون.. راشد توفي منذ زمن بعيد.. عاد أم لم يعد كلاهما سيّان عندي).. وضاع الأخ. وتبكي الصغيرة.. وتقذف اللوم في وجه رفقاء السوء الذين جرّوه إلى مصير مجهول.. وضيّعوا حياته.. (هو يحطم نفسه ويبتعد عنا.. كما تتسرب حبات الرمل من بين أصابعنا.. لعنة الله على أصدقاء السوء .. سحبوه إلى الهاوية). لكن الحب يخز قلب البطلة، فتتساءل ومعها نتساءل.. هل الحب أن نبكي على من يرحلون؟ هل الحب أن نتباهى بتميّزهم ساعة فرحهم؟! أليست المحبة احتواء ورعاية، أليست فعلاً له سُلطته القادرة على التغيير..؟ هو ليس تهاوناً وسلبية وانكماشاً على الذات! رغم أن العائلة تبدو متماسكة.. الصور القديمة تحكي عن التعاضد والتآزر والمحبة، صورة الوالدين في استوديو احترافي، تحكي عن تلك الصلات القوية، صورة الأخ مع زوجته كانت تحكي عن علاقة متينة. لكن شيئاً حدث وقلب كل الأوراق وبعثرها.. تحاول القاصة أن تبحث عن الذي حدث.. وكيف تبدل كل ذلك وانقلبت حياة الشاب رأساً على عقب.. كيف صار الأب قاسياً والأم منهزمة.. كيف انتهى الزواج.. وكيف فقد رغبته في الحياة. فإن كانت الصور تحكي؛ فالواقع يحكي أكثر.. لا أحد يقوم بواجبه، ولا أحد يعبّر عن محبته.. للأصدقاء تأثيرهم، لكن أين دور العائلة..؟ تسأل البطلة: (لم لا نكلم أخي..؟! لم لا نقنعه بالعلاج..؟! نحن أهله.. لم لا نوضح له أن ما يفعله لا يدمره هو فقط.. بل يدمرنا نحن معه..؟). ولأن الزمن لا يمهل حتى تجد هي وعائلتها جواباً عما طرحته من أسئلة، فإن الموت فاجأ الجميع وخطف الشاب البائس ذا الثوب الأصفر ليترك خلفه صوراً قديمة، وعائلة تبكيه حباً، وإن كان البكاء لا يكفي عربوناً للمحبة. [email protected]