الاحد - 04 ديسمبر 2022
الاحد - 04 ديسمبر 2022

لا تُنتزع من الذاكرة

يحكي علاء الأسواني ما روته له زوجة دبلوماسي شهير حيث تقول إنهم سكنوا القدس، وكانت شرفة منزلهم تطل على حاجز أقامه الجيش الإسرائيلي لتفتيش الفلسطينيين، هناك جندي إسرائيلي بعد أن يتحقق من أوراق الفلسطينيين يلقي إليهم بفوطة ويصوب إليهم سلاحه ويطلب منهم مسح حذائه. الجميع كانوا تلقائياً يذعنون، حتى جاء يوم ووقف شاب عشريني أمامه، وبعد أن قلب الجندي أوراقه ألقى إليه بالفوطة، لكن الشاب ثار ورفض مسح الحذاء، صوب الجندي سلاحه إليه لكن الشاب رد في ثبات: «اقتلني مئة مرة لكني لن ألمع حذاءك». تراجع الجندي عن طلبه وتظاهر بأن ثمة اتصالاً هاتفياً شاغله وأشار بيده للشاب أن يعبر الحاجز. تذكرت هذا الموقف بعد أن عرضت الأخبار مقتل عدد من الفلسطينيين في فعاليات إحياء ذكرى النكبة، الفلسطيني الذي رفض مسح حذاء الجندي والفلسطينيون الذين مع معرفتهم الضمنية بعواقب ما يتربص بهم وقت إحياء الذكرى كان دافعهم الغريزي الكرامة، إنهم النقاط المضيئة الوحيدة في قضية مظلمة تحالف عليها العالم كله كي تبهت ويسهل ابتلاع الباطل بالتدريج. لقد تعلم الفلسطينيون أن النضال الوحيد المتبقي لهم غير المقاومة بالجسد هو أن يفتحوا نافذة وسط ستار التعتيم الإعلامي الكثيف الذي يلطف صورة الجاني عالمياً، ويستخدم حرفيته الإعلامية في تحويلك إلى مصاص دماء يهدد حياة الجندي المسلح. الكثير من المواطنين الغربيين استوعبوا الرسالة ولم تعد تنطلي عليهم التعتيمات، صحيح أن استيعابهم المتأخر ليس صك أمان ينهي الاحتلال أو يجد له حلاً، لكنه اعتراف مطلوب كي يتفق العالم على عدالة ما يسعون له. أذكر أحد المواقع الشهيرة التي تخصصت في عرض أشنع الصور Rotten.com عرض الكثير من صور مذبحة جنين، الصور كانت صادمة، مع تعليق أرفقه صاحب الموقع الأمريكي يقول فيه: «والسيد عنان ينكر أن هناك مذبحة»! نأتي لخطاب نتنياهو في ذكرى النكبة، خطاب مستفز كالمتوقع، يؤكد أن السلطة الفلسطينية صامتة حيال إحياء مأساة «إقامة إسرائيل»! والحق أنني ممن يخاصمون عادة الاجترار التاريخي، لكن هذا التاريخ بالذات مايزال يزاحم حاضر فلسطين، وما يقاسونه اليوم استمرار لكارثة قديمة لم تنته أبعادها، لماذا لا تنسى يا نتنياهو ما فعله الألمان بكم رغم حج ميركل لإسرائيل كي تعتذر للمرة المليون عما فعله هتلر باليهود؟ ثم نرى كيف يحتج أعضاء من الكنيست ويرفضون التطبيع الثقافي مع ألمانيا في كبرياء وأنه ليس على ألمانيا سوى تزويدهم بالسلاح. إذن ليس على الفلسطيني أن يموت في صمت، وأن يجرد من حقوقه بينما يخرس في أدب وينسى الألم وسط تداعي أحواله وظروفه، فالكرامة والحقوق لا تنتزع من الذاكرة الشعبية بهذه البساطة مهما صُوّبت الأسلحة ناحيتها.