الجمعة - 02 ديسمبر 2022
الجمعة - 02 ديسمبر 2022

عن حِرفة التلفيق .. والمغالاة وغيرها

انعدام دقة الخبر يؤدي إلى اختلاف الفكرة من مصدر لآخر، هذا ما يحصل في بعض وسائل الإعلام بشكل روتيني، يستبد بها الشك وبسبب ضيق الوقت تطلق كل وسيلة إعلامية ما استطاعت أن تلتقطه أو ما حسبت أنها فهمته من الحدث للمواكبة وملء الطاحونة الإعلامية بأي شيء لتبقى دائرة، ومن ثم يُترك المتابع أمام نسخ متضادة من الخيارات عن الوقائع وسينتقي منها الخبر حسب الزخم الذي يحدثه وبحسب إرادة وقوة الجموع. هذا يحدث إن كانت الأداة الإعلامية تراعي الأمانة والمصداقية، وتقع أحياناً في ما طرقه المخرج السينمائي الياباني الشهير أكيرا كوروساوا في فيلم «راشومون»، فبعد أن يقبض رجل الشرطة على قاطع الطريق ويتم استدعاء الأشخاص الذين شهدوا جريمة مقتل رجل وزوجته للمحكمة، يحكي كل شاهد قصة بطريقة مختلفة، لتجتمع لدينا في النهاية خمس روايات متباينة لا تدري أيها الأصح، التباس بعض مواد وسائل الإعلام مقارب لهذه الصورة، والخطأ وارد لكن بشرط ألا يصبح سائغاً طيلة الوقت. إنما قد تلحظ أن لبعض الصحف والفضائيات حيلاً معينة لتغطية فراغ الخبر وانعدام دقته بطرقها التلفيقية الخاصة، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتجاوز إلى إيصال الأمور الإخبارية لنقطة لا يجدي معها الصلح، يتجلى ذلك في فرط استعمال سياسة Deliberate Omission التي تعني الحذف المتعمد، اقتصاص جزء من الخبر من أجل إعادة توجيه المعنى لخدمة أغراض أخرى، هناك أيضاً أسلوب الاستقطاب والمغالاة وتهييج الرأي Sensationalism للمادة الخبرية لتوسيع حجم المتابعة مع إصرار على نشر الأخبار الرديئة وترك العميقة لسبب ترويجي بسيط، وهو أن المواد الرديئة متدنية المستوى تسمح للجميع بإبداء الرأي فيها وليست حكراً على المختصين. يسيطر على بعض تلك الوسائل جو من انعدام المسؤولية وعدم النضج، ولابد أن تمتلك الحدس الجيد لتلغي تعاقدك على الاطلاع عليها كي لا تكتسب بدورك مهارة التزوير والسطحية بالتأثر. أيضاً كجزء من سوء النية يوقع الإعلام الناس في الحرب الموجهة بين معسكرات دينية وعرقية مختلفة، هناك من يرحب به على كل حال، تأتي الردود النارية منذرة برفع تكلفة التوتر بين المعسكرين حدوداً باهظة، لكن لن يتم حذفها من قبل الصحيفة أو الفضائية وإلا اتُهمت بخنق الرأي العام، وليس من الذوق فلترتها رغم الكثير من الترخُّص في اللفظ، كل ما يكتب أو يقال يجب أن ينشر ليبدأ الصراع بين المعلقين وسيل من الكلام الفاحش فيما بينهم والذي تترجمه الأداة الإعلامية إلى أرقام ومكاسب، بل حتى إن كانت تتلقى هي شخصياً التسخط واللعنات من مكان ما، فمن قال إن انصباب أطنان الغضب واللعنات عليها يعني فشلها؟ .. للحديث بقية.