الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

الحتميات .. العوالم الكبيرة والدقيقة

ظلت إحدى مرتكزات التفكير العلمي التي سادت لفترة من الزمان مؤكدة ومراكمة للأدلة القائلة بأن جل الظواهر الكونية يقف وراءها مسببات ما، وأنها خاضعة لمبدأ الحتمية الذي يقوم على أساس ثبات الشروط والأسباب. لكن من هذا المنطلق كان لا بد أن نتساءل: هل الأمر شمولي فعلاً أم يختص بمتفرقات فحسب؟ بمعنى هل بالإمكان اعتبار الخضوع للحتميات والمسببات مبدأ صالحاً لكل مجالات المعرفة على إطلاقها أم يلزمنا تحديده ببعض الظواهر وفي مجالات معرفية معينة؟ مثل هذا التساؤل لا بد أن يعيدنا لما تقوم عليه النظرية الكلاسيكية التي تتمثلها مواقف كل من كلود برنارد وبيير لابلاس وغيرهم، وتقول بأن الوجود يخضع لنظام ثابت، ولديها بعض الحجج بهذا الصدد، فمن باب أن العلم مؤسس بالأصل على التفسير للظاهرة التي أمامه فيلزمنا افتراض أن كل ظاهرة يقف وراءها شروط وأسباب تُحدثها ومُهيئات لإحداثها ولا بد من معرفتها والبحث عنها كما دأب العلم، وإزاحة هذا المبدأ يعد إنكاراً للعلم وبدونه لا يمكن تعميم الحكم ولا التنبؤ بالمستقبل. لكن النظرية الكلاسيكية اصطدمت بواقع أن حركة العلوم الطبيعية في القرن العشرين تثبت محدودية هذا المبدأ وعجزه وقصوره عن تفسير عالم اللامتناهيات في الصغر أو الميكروفيزيا، وثمة علماء أمثال هايزنبرغ يرون بأن الدفاع عن مبدأ الحتمية أصبح مستحيلاً بعدما وصل العلم لمجالات أخرى أدق يصبح من العسير معها التقصي والإلمام والمعرفة بهذه الشروط والأسباب وبوجودها أصلاً. ثمة تباينات في القوانين، فهناك القوانين الحقيقية والقوانين التي لا تصدق على المركبات، فإذا كانت المركبات تتبع مبدأ العلاقات الصارمة فإن علم اللامتناهيات في الصغر له قوانينه الخاصة أيضاً وهي قوانين إحصائية، قد يقول البعض بأن انعدام معرفة الشروط للعالم الصغير عائد إلى جهل بها وليس إلى انعدام وجودها، لكن في الواقع وببعض التجارب التي لا يتسع المجال لذكرها فإن نظرية الحتمية القائمة على مبدأ السببية تكون مقبولة في العالم الأكبر لوحده ولو بشكل مؤقت ما دام يمكن التأكد منها، أما الظواهر الطبيعية في العالم متناهي الدقة يعني ببساطة صعوبة إدراك الحتمية وتفصيلها وتشريحها، ومساواتها بالعالم الواضح الكبير ومنحها صفة الحتمية بالمثل على أساس أنها بالبديهة لن تفرق عن ذلك العالم رغم أن عدم التأكد قد يؤدي لخلل معرفي في مجال البحوث والاكتشافات العلمية ما دام التطور العلمي لم يصل بعد إلى مرحلة ضبط تلك العوالم واستيعابها كلياً.
#بلا_حدود