الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

ليلٌ وقلمٌ وقصيدة

الليل عوالم خرافية تسكننا، تنام في الضوء إلا أنها تستيقظ فينا إذا ما جنَّ الظلام، تعيد ترتيبنا في كل يوم بعد أن يبعثرنا الصبح، الليل حقيقي! وبه ننجو من زيف النهار، إنه طاقة متجددة أو ربما حضارة أزلية سرمدية تعاند الاندثار. الليل سر من أسرار الكون التي يؤثر أن يحتفظ بها لنفسه، أحد أكثر ظواهر الوجود جدارة بالإعجاب والافتتان، إنه شاهد على الأمنيات وخير مُصغٍ للأغنيات، منجب للأفكار الكبرى وملهم لخيال الشعراء، إنه ظلٌ لمن لا ظل له ويبقى كله أجمله. أو ليس الشعر منجم الشعراء؟ أو ليس الليل مخبأهم وملاذ عزلتهم عن كل عين متربصة؟ تولد أولى خيوط القصائد ليلاً وتُعقد آخر خيوطها ليلاً أيضاً، يرحب الشاعر الحق بالأرق ولا يبالي بنوم فاته مادام في يده قلم وعلى سطور قلبه قصيدة، وقد يغفو الشاعر ثم يتجافى عن مضجعه ليدوِّن بيتاً راوده في المنام. يقول الأديب والمفكر المصري عباس محمود العقاد:«إننا نكبُر بالليل جداً يا صاح، إن الليل هو عالم النفس، وأما النهار فهو عالم العيون والأسماع والأبدان..إننا بالنهار جزء صغير من العالم الواسع الكبير، ولكن العالم الواسع الكبير جزء من مدركاتنا حين ننظر إليه بالليل، وهو في غمرة السبات أو في غمرة الظلام». كما يقول الفيلسوف جبران خليل جبران:«لقد صحبْتُك أيها الليل حتى صرت شبيهاً بك، وألفتك حتى تمازجت ميولي بميولك، وأحببتك حتى تحوّل وجداني إلى صورة مُصَغَّرة لوجودك، ففي نفسي المظلمة كواكب ملتمعة ينثرها الوجد عند المساء، وتلتقطها الهواجس في الصباح، وفي قلبي الرقيب قمرٌ يسعى تارة في فضاء متلبد بالغيوم، وطوراً في جلاء مفعم بمواكب الأحلام.. أنا مثلك أيها الليل، وهل يحسبني الناس مفاخراً إذا ما تشبّهْتُ بك، وهم إذا تفاخرُوا يتشبهون بالنّهار؟». وأقول إننا نضيء في الليل بينما نخفت في النهار، فالليل حكاية من حكاياتنا وغواية من غواياتنا، وإنه طوفان ركبناه باختيارنا وهاجس مقيم في أفكارنا.. فكيف كيف نصمت في حضرتك أيها الليل؟ وماذا ماذا لو لم تكن لنا لباساً؟ همسة: لكم النهارُ يضجُّ فيكم .. لي السحَرْ وليَ التغلغلُ في السماءِ مع القمرْ وليَ التداوي بالقصيدِ من البشرْ! [email protected]
#بلا_حدود