الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

في الحرب لا أحد يكتب مذكراته

الشجاعة، كل الشجاعة في السلام. أما الحرب فهي ككرة الثلج التي بدأت بركلة من الحمق لتتغذى على الموت وتستمر. من يبدأ الحرب ويكن طرفاً فيها فما هم إلا مجموعة من الجبناء مستعدة لتضغط على «زر» تفجير قنبلة هيروشيما وناكازاكي مجدداً لو تطلب الأمر! عبر التاريخ البشري الدموي الطويل الذي نعلم جيداً أننا دائماً نقرأه بأعين المنتصرين الذين يكتبونه، يحددون أي دورة زمنية مقبلة سنعيش على ضعفهم، ألا يقال إن التاريخ يعيد نفسه؟ لكن أيهما؟ ما حدث فعلاً أو ما هو مكتوب؟ وإن كان الأول، فكيف نعرفه ونعلم ما يتكرر منه؟ إذن أعود.. فعبر هذا التاريخ الطويل لطالما كانت القضايا ولا يهم مدى نبلها أو صدقها، هنا بحاجة إلى تسويق. أعتذر لنفسي ولكم لاستخدام هاتين الكلمتين المتنافرتين (قضية وتسويق) إلا أن هذا هو الواقع المر والحقيقة التي لابد من مواجهتها. أي إن القضايا تم تسويقها جيداً وبشكل أفضل بحيث نُفخت فيها روح الخلود فأصبحت يداعى بها وبضحاياها وبالظلم الذي جرى ويجري على أهلها حتى بعد انقضاء جميع أطرافها؟ الجواب سهل بسيط. عندما نتناول المجزرة أو المحرقة أو الظلم مثلاً، ما أول كلمة أو كلمتين تقفزان إلى دماغك؟ بالضبط.. إذاً هي تلك القضية التي أجاد أهلها أو المستفيدون ومن لهم مصالح في أن تبقى حية طافية الرأس وسط كل جثث الغرقى عبر التاريخ. بناء الرموز وتخليدها عامل مهم وقوي جداً للحفاظ على استمرارية صوت أي قضية. على هذا الرمز أن يكون بريئاً أو بمعنى آخر ضحية، وأن يكون شديد الضعف حول ما يحيط به من ظروف الحرب إنما في الوقت ذاته أن يكون مقاوماً وقوياً في صموده. كلما زادت معادلة ضعفه وصموده زاد تأثيره. كلنا يتذكر «حنظلة».. الصبي الصغير العربي الذي أوجدته ريشة كاريكاتير ناجي العلي، هل هناك أبسط من ذلك وأكثر تأثيراً؟ فقد أصبح رمزاً لأطفال الحجارة ثم للهوية الفلسطينية ككل منذ بداية ظهورها على الورق. عن حنظلة يقول ناجي العلي:«ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء». إلا أن أفضل من يسوق لقضيته ويبرع في بناء الرموز وتخليدها هم اليهود بلا منازع. بداية بآن فرانك الطفلة اليهودية التي قضت وأسرتها، عدا والدها، في إحدى مجازر الهولوكوست في فترة الحرب العالمية الثانية على يد الجيش النازي بقيادة هتلر. طوال فترة اختبائها وأسرتها كتبت آن فرانك مذكرات شبه يومية تشرح فيها أدق تفاصيل حياتهم الصعبة وما يتخلل ذلك من صدام نفسي بين أشخاص بمختلف الفئات العمرية يجمعهم الخوف ويتربص بهم الموت. تحولت مذكرات آن فرانك الرمز إلى عدد كبير من المسرحيات والأفلام والأعمال الدرامية والفنية، وأُعيدت طباعتها وتُرجمت إلى عشرات اللغات حول العالم ليتعاطف معها الملايين. لآن فرانك قبر تتم زيارته كما يمكن زيارة المنزل الذي كانت تختبئ فيه مع أسرتها وعدد من الأشخاص. لآن فرانك تمثال في أمستردام ومركز في نيويورك ومدرسة في أمستردام أيضاً. الأمر لا يتوقف هنا، فالأفلام والأعمال الثقافية والفنية المخصصة لتخليد الهولوكوست ومعاناة اليهود في الحرب العالمية الثانية تعد بالمئات والعالم بأسره بات متأثراً بها. لا أرى ضيراً في ذلك، فمن حق كل من يظن أنه ظلم أن يطالب بحقوقه ويخلد ذكرى ضحاياه. سؤالي الذي أود لمقالتي أن تصرخ به عالياً هو، كم طفلاً قُتل ويُقتل بوحشية في العراق وسوريا وفلسطين؟ كم طفلاً عربياً قضى ضحية الجوع والبرد والإهمال؟ كم طفلاً يتشرد في الملاجئ بلا أدنى أساسيات الحياة؟ أين الرموز التي تعبر عنهم وتتحدث للعالم بأصواتهم؟ إن كنا لا ننتصر لقضايانا، فلم لا نعرف كيف نخلدها أيضاً؟ [email protected]
#بلا_حدود