الأربعاء - 07 ديسمبر 2022
الأربعاء - 07 ديسمبر 2022

لعلها «تتعوض»

في أحد الأيام الماطرة من رحلتي الصيفية هذه السنة في مدينة يالوفا التركية الهادئة، جلست على دكة بجانب الطريق العام بانتظار تجمع الأسرة للعودة إلى البيت. ومن عادتي استثمار فترات الانتظار فيما ينفع ويزيد من رصيد إيمانياتي بتلاوة القرآن أو الأذكار، أو يزيد من رصيد تجاربي وخبرتني، وذلك بقراءة كتاب مسطور، أو قراءة تجارب الناس بتصفح وجوه المارة وحركتهم وتصرفاتهم، طبعاً دون الإخلال بما وصانا به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من حق الطريق. ففي الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس بالطرقات فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقّه، قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غضّ البصر، وكف الأذى، وردّ السّلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». ولعل مما أعانني على الالتزام بحق الطريق، وجود زوجتي بجانبي، وأعتقد أن هذه القرينة كافية لتصدقوني في ذلك. في هذه المرة اخترت ممارسة هواية قراءة المارة واستقراء مغزى حركاتهم وتصرفاتهم وحتى إيماءاتهم العابرة. وفي الحقيقة أنا لا أؤمن أن هناك إيماءات عابرة وغير ذات مغزى إلا ما يصدر من المجانين. كان بجانبي بائع، لكنه يبيع الوهم على المارين، ويجني منهم مالاً. وما كانت بضاعته سوى كرسي متهالك يترنح تحت ضغط جسده المترهل، ومنضدة صغيرة عليها مجموعة من الأوراق بحجم أوراق اللعب «الكوتشينة»، تدعى بأوراق «اليانصيب». تلك الأوراق التي تبني في عقول الواهمين قصوراً من الآمال الزائفة، وتجعلهم يلهثون خلف أحلامهم، والشيطان يزين لهم ويمنيهم، وما يمنيهم الشيطان إلا بالسراب الزائل. في البداية حاولت التفرس في وجه العجوز بائع الوهم، إلا أن قساوة تقاسيم وجهه، والجمود الذي يعلوه، جعلني أتحاشاه وأتحول للتفرس في وجوه المترددين عليه، من الذين قادهم خيبتهم لشراء وهم الثروة. ولو أن أحدهم تأمل في حال البائع لما أقدم على الشراء. فلو كانت تلك الأوراق تنفع لانتفع بها بائعها البائس، الذي أفنى عمره معها! وكيف يبيع لغيره بطاقة تجلب له الثروة ولا يستأثر بها لنفسه؟ كان أغلب المشترين من كبار السن. وكأن هذا يفسر سبب تعاستهم وسوء حالتهم المادية البادية عليهم. فقد أفنوا أعمارهم وهم يمنون أنفسهم بالثراء السهل، والهناء دون عناء. حتى انحنت ظهورهم، وابيضت مفارقهم، ولم ينالوا إلا نصيبهم من مرارة الانتظار، وخيبة الأمل مرة تلو أخرى. ولكن ما أفزعني وزاد من دهشتي أن من بين المشترين كان بعض الشباب ممن يفترض بهم المثابرة وبذل الجهد والحفر في الصخر –كما يقال-. جاء أحدهم واشترى ورقة، وكشف عن رقمها، وأنا أنظر في وجهه.. فلما تمعر وجهه علمت أن أمله قد خاب هذه المرة. وعلى ما يبدو أنها ليست المرة الأولى التي يفني فيها بعض ماله دون جدوى. ابتعد الفتى قليلاً، وهو يتحسس جيبه، ويبدو أنه وجد بعض النقود، فعاد أدراجه ليشتري ورقة أخرى، ولسان حاله يقول: لعل الأموال التي دفعتها طوال المرات السابقة أن تتعوض هذه المرة، ولكن هيهات، فغيمة الأماني لا تمطر، وسراب الثروة الطائلة لا طائل من ورائها إلا اليباب. وعادت تقاسيم وجه الفتى إلى التجهم ثانية، فعلمت أن لا جديد. ولكن هذه المرة، طأطأ رأسه ومضى سريعاً ليختفي بين الجموع. وأظن أنه لم يتعلم الدرس، ولم يتب من مطاردة السراب، بل سيعاود الكرة مرات عدة بمجرد حصوله على بعض النقود. تعرفون لماذا؟. ببساطة.. لأن تعلمه للدرس له تبعات لا يقوى على تحملها. فعليه أن يلغي من ذهنه الأحلام الوردية التي تدغدغ مشاعره، وتنسيه شقاءه، وتفعل فعل المخدرات. ولأن عليه بذل العرق والعمل الجاد والمثابرة، فمن طلب العلا سهر الليالي. وهذه تبعات يشق عليه تصورها فضلاً عن تحملها. لذا فعودته لشراء الوهم مؤكدة، حتى يشيب ويحدودب ظهره كغيره ممن يراهم بكثرة عند منضدة الوهم! وبعد أن مضى الفتى، وظلت المنضدة تجتذب من مثله الكثير، ألح علي سؤال أود مشاركتكم فيه. فكم منا من ينام ملء جفنيه ويأكل ملء شدقيه ويسهر فيما لا طائل من ورائه، ثم يتمنى على الله الأماني. وإذا نال المجتهدون ثمن جهدهم، وقطف المثابرون ثمرة جهادهم، اشرأب عنقه منتظراً، لعله ينال ما لم يسع إليه إلا في الأحلام!.. فإذا خاب ظنه، تمعر وجهه، وحسد غيره، ولام الزمان.. ثم عاد إلى أمانيه من جديد، وكأنه يقول: «لعلها تتعوض في المرة القادمة». أتوقف عند هذا التساؤل، وأذكركم أن الوقت ينفد رصيده، ويتسرب من بين أيادينا سريعاً، والتبرير لن يضر إلا صاحبه. وحتى ألقاكم من جديد، كونوا بخير. [email protected]