الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

دور الإتقان في عملية التنمية

حينما نقف مبهورين أمام حضارتين كالحضارة الفرعونية والبابلية، وما تركتاه من شواهد عظيمة ما زالت ماثلة للعيان حتى يومنا هذا، يتكشف لنا منظومة القيم الإنسانية والاجتماعية والفكرية التي عززت قوة تلك الحضارتين العريقتين، فيتبدّى للقارئ أولئك البشر الشغوفون بالإتقان، فوظفوا طاقاتهم وإبداعاتهم لتأسيس ممالكهم العتيدة، التي ما زالت تُذهل الباحثين والدارسين في مجال علم الآثار وتاريخ الحضارات الإنسانية أمام كل مكتشف جديد يعثرون عليه خلال عمليات التنقيب. إنها شعوب اختارت الإتقان ليكتب لها المجد والخلود على مر الزمان. في عصرنا المعاصر الإتقان أصبح مطلباً أساسياً يضمن دقة الإنجاز، فاليوم العطل مكلف جداً، وله حساباته وتوابعه، فجودة العمل، أن تعمل عملاً وتتقنه على أكمل وجه، دون أن يضطرك في لحظة ما لإعادة إنجازه. فالإتقان يوفر الوقت والجهد، كما يؤسس لثقافة الاحتراف والمهنية في العمل. ويعكس مهارة وإحسان وإخلاص المرء في أي عمل كان صغيراً أو كبيراً، خاصاً كان أو عاماً. كما الاستخفاف في أداء العمل وعدم تأديته بأمانة ومسؤولية، فإنه حتماً سينعكس على نتائجه، وقد يضر بالمصلحة العامة، وقد تكون النتائج المترتبة في كثير من حالات عدم الإتقان تصل إلى المساءلة القانونية. أذكر هنا، قصة معاناة واحدة من الصديقات، كان هناك تسريب في سقف إحدى الغرف العلوية في بيتها، وقد عانت منه كثيراً، تواصلت مع شركة الصيانة المشرفة على العقار، وطالبتهم بالكشف عن مصدر التسريب ومعالجته. طوال سنوات سكنها لا تذكر سنة كاملة قد مرت عليها دون أن يعاود التسريب كل ثلاثة أشهر، ومن ثم تعود لطلب الصيانة لمعالجته. فبسبب عدم معالجة مصدر التسريب، واتباع الترقيع والتلصيق في معالجته، انتقل التسريب بعد مدة للغرفة المجاورة، كما أحدث ماساً كهربائياً بسبب وصول المياه لأحد المصابيح في سقف الغرفة. دوامتها لم تنتهِ إلا بعد أن تواصلت مع صاحب العقار شخصياً، وسردت له معاناتها ومعاناة سكان المبنى، الذي كان عبارة عن برج سكني يتكون من ستة عشرة طابقاً، واتضح أن شركة الصيانة تمارس الترقيع في كل أعمالها، لتوفير أكبر قدر ممكن من أموال عقد الصيانة، فتستخدم عمالاً غير متخصصيين في شؤون الصيانة، وأردأ المواد وأرخصها في صيانة العقار كاملاً، ما أضر بالعقار وأدى لتآكله من الداخل كلياً. وعلى ضوء الشكاوى فسخ المالك العقد مع شركة الصيانة، واستبدلها بشركة أخرى متخصصة نفضت المبنى كاملاً، ولكن بلا شك كانت الكلفة مرتفعة جداً، بسبب سوء إدارة الشركة السابقة في صيانة البرج السكني. على الصعيد الميداني هناك ملاحظة مهمة، كل يوم نسمع عن الكثير من المبادرات المجتمعية والتطوعية والخيرية على مستوى الدولة، ولكن الكثير منها يتعثر ويتلاشى سريعاً للأسف الشديد، فقوة المبادرة وسموها ليس فقط في أهدافها، بل في آلية تطبيقها، الذي يكرّس فاعليتها واستمراريتها. [email protected]
#بلا_حدود