الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

أوهام مستمرة وجمهور مؤبد

في إحدى روايات الأديب البارع أحمد توفيق ثمة مقطع يحكي بأنه بينما كان العلاّمة ماكس ليبمان يفحص قلب فتاة تسمر قليلاً ثم التفت للأطباء الذين حوله وأنبأهم بأنهم سيسمعون جلبة تصدر من قلبها خلال أيام، سخر منه الأطباء باعتبار أن الطب ليس علماً للتنجيم، فرد عليهم بأن الجلبة موجودة الآن وهو يصغي لها بوضوح لكن آذانهم لا تستطيع التقاطها وإنما سيسمعونها حتماً إذا ازداد الصوت حدة وقوة بعد يومين. لقد كان يشير بالطبع إلى يقظة حواسه وشعوره بامتلاك موهبة خارقة لا يمتلكها البقية من حوله. تذكرت هذه القصة بينما أقرأ إعلاناً انتشر عن معالج عربي يزعم استشفافه لما وراء الأبعاد البشرية ويعرض قواه النادرة في رؤية الأشياء غير المنظورة وتحسس علاجات جملة من الأمراض الروحية الغريبة التي تحيّر أعظم الأطباء في العالم، ولكي يبدو الأمر عصرياً أكثر قرر المعالج أن يجعل الخدمة بنظام «الدليفري» مع عمل منشورات مصقولة صنّف بداخلها الأمراض وحدد لكل صنف منها تسعيرة بالمبلغ الفلاني مع الإقرار في الأسفل برمزية المبلغ مقارنة مع الأسعار الباهظة للمستشفيات التي لا يعنيها سوى تفريغ جيبك وسلب قوت عيالك، ثم ذيلها بخيار استرداد المبلغ في حال لم يجد العلاج كعلامة على النزاهة. الرجل يتكلم عن تحفيز مراكز معينة في الجسد مع مزج بعض المصطلحات الطبية بآيات قرآنية ومن ثم الاعتماد على سياسة الوعود المغلظة الواثقة التي تعرف كيف تقدم ذاتها بجدية وبلا مزاح: «إن لم تتعاف فخذ نقودك، نحن لا نعبث هنا». في الحقيقة هذه كائنات محترفة تتحرك بقصد وإرادة ذكية لا شك فيها وتتلاعب بالنقاط النفسية الهشة ببراعة، مثل تظاهرها بإهمال المادة وتقديم التفسيرات الجاهزة والمريحة للأعراض كي تُطمئن الناس بالفعل، هذا غير استثمارها لبعض المواد الإعلامية التي تضخم من أخطاء بعض الأطباء وتقديم الأطباء عموماً كحفنة من المتحذلقين قليلي الاستيعاب الذين يهوون القفز عن الحلول وتضييع أوقاتهم في الدراسة والقراءة والتطبيق فيما الحلول سهلة وموجودة بين أيادي هؤلاء المعالجين الروحانيين كهبة ربانية مجانية، لقد سمحوا لأنفسهم أن يسخروا من قيم الكفاح المطول والعمل المضني والدراسات المدققة التي تستهلك معظم حياة الأطباء وتسخيف هذه الجهود في أعين الناس بلا أدنى تقدير. المشكلة أن الجمهور المخدوع بهذه الأساليب العلاجية لن يجرؤ على طرح الكثير من الأسئلة حول عدم جدوى العلاج أو حتى يطالب باسترداد القيمة وهو غالباً سيتظاهر بالشفاء لأنه لن يقبل الاعتراف بأنه قد وقع في شراكهم وخُدع وهذا ما يدركه النصابون المعالجون جيداً، هناك قلة تجرؤوا على كشف غطاء الأكاذيب بعد تجريبها لكن لا يبدو أن أحداً يبالي برأيهم وإلا لما كان لتجار الوهم كل هذه الشعبية المستمرة والصيت المتوهج والأتباع المتحمسون للأبد.
#بلا_حدود