الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

المبادرة لابد أن تكون ذاتية أولاً

لا يمكن للفكر الأصولي أن يقوم كونه بالأصل دعوة لإنعاش الماضي بكل أشكاله ومضامينه الاجتماعية والسياسية إلا على أساس إقصاء الأنثى من الحياة العامة، متبنو الفكر الأصولي في معركتهم ضد الحداثة يعون تماماً أن سبب نجاح تلك المجتمعات المدنية المتحضرة التي يحاربونها يتكئ على شرط تخليص المرأة من مكبلات مفروضة تحت ذرائع عدة، وجعلها تنخرط في الحياة العامة وتنال حقوقاً وفرصاً متساوية مع الرجل، في الواقع فليس من قبيل العبث هذا الإصرار الأصولي على إزاحة المرأة ورفض اندماجها بالشأن العام وصبغ الأمر بصبغة دينية أو اجتماعية عصية على النقاش، ولو استوعبنا بنية هذا الفكر لعرفنا سبب الممارسات. الأصولية المتشددة - ولو أنها لم تُعط الكثير من المساحات في بعض المجتمعات العربية، لكنها موجودة - تستدعي بالضرورة رفض الاعتراف بالتطور الاجتماعي وبكل منجزاته واعتباره بدعة وضلالة واكتساب الماضي بكل مكوناته التي تقتضي إرجاع المرأة إلى الحيز الضيق القديم باعتبارها مجرد مخلوق وجد لإمتاع الرجل، ومن هنا أيضاً يمكننا إلى حد كبير فهم أسباب هذا التركيز الوعظي لديهم في ترغيب الشباب المغرر بهم في التنظيمات الإرهابية بالحور العين على اعتبار أن المرأة تُمنح كجوائز فقط. لا يمكن للفكر الأصولي الإقصائي إلا أن يكون كذلك في موقفه من المرأة، هذا الموقف هو أهم قوقعة يتحصن بداخلها في مجابهته لمجتمعات الحداثة التي تدمره وتقضي على مبررات وجوده، ولهذا يتم التعامل مع هذا الموضوع بالذات باعتباره ليس من المحرمات فحسب، بل كأحد أهم أساسات الأصولية وأكثرها حساسية وخطورة. إن أهم مشروع عربي تنويري إنساني وأخلاقي وحضاري ينبغي التركيز عليه حالياً هو مشروع استعادة حقوق المرأة العربية وإفساح مجالات أكبر لإثبات ذاتها في الشأن العام وخروجها من نطاق الأفكار الماضوية التي تغتالها معنوياً وتعطل دورها بشكل كبير، وهذا المشروع ينبغي أن يُقاد من قبل النساء أنفسهن وينطلق من قناعات المرأة ذاتياً بحيث تعي أدوارها وحقوقها وتبدأ بالتصدي لمحاربة ما يعيقها عن أدائها، فبغير القناعة الداخلية ستكون هي من تشارك في تدمير ذاتها بعناية، بعض الأحزاب والحركات التي تزعم التنوير هي مجرد شكلانيات لم يتصدّ أفرادها يوماً وبشكل جدي لمن يعبث بقضايا المجتمع وحقوق المرأة فيه، بل كانت وما زالت تستخدم للديكور والحشد، وكذلك بعض المنظمات النسائية والجمعيات والمراكز المتخصصة بقضايا المرأة في العالم العربي نراها تعمل على برامج فوقية خاصة بالاستعراض الإعلامي ولا تغوص بشكل حقيقي في مشاكل المرأة في محيطها الداخلي والخارجي وقضاياها وحقوقها للأسف، ولذلك فالمبادرة لابد أن تبدأ من المرأة نفسها بالإحساس بقضاياها وحقوقها أولاً ومحاربة الفكر الأصولي المتطرف الذي يتصدى لمحاولاتها في البناء والتنمية والمطالبة بما ترى أنه حق مشروع لها يمنعه عنها خصوم الحضارة.
#بلا_حدود