الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022
الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022

التحريض والتجهيز للجريمة جريمة

تناقلت شبكات التواصل الاجتماعي صورة صادمة لشاب صغير قبض عليه الجيش العراقي على الحدود ومن ثم تصويره بعد أن تم تجريده من ملابسه لتفتيشه تحت قوة السلاح، هنا تتعدد بالفعل زوايا الرؤية عند الحديث عن وضع الشاب في الصورة والكيفية التي وصل بها إلى هذه الحدود الملغمة ومن المتسبب في تأصيل الفكرة بذاته حتى التآلف مع نطاقات الجريمة في هذه السن المبكرة، في هذه السن بالذات يكون أمام الشاب ألف فكرة لا بد أن تشغل حيز تفكيره عدا التفكير بالانتحار وتعلم أبجديات الجريمة وخوض الحروب. تذكرت هنا مشهداً لطيفاً من فيلم One Flew Over the Cuckoo's Nest وفيه أن البطل جاك نيكلسون اكتشف أن الشاب الذي كان يكلمه قد دخل المستشفى القمعي بإرادة ذاتية منه، فما كان منه إلا أن انهال بالعتب والسخرية عليه «وما الذي تصنعه هنا أيها المغفل التعس؟ شاب في مثل سنك كان سيركب سيارة مكشوفة ويتجول في الأرياف ليصطاد الحسناوات». بلا شك إن هذا الشاب كان ضحية دعوات دموية لإلحاقه بهذه الدائرة الشيطانية حتى تغيرت سيكولوجيته تماماً بشكل سمح لقلبه أن يتسع لكل هذا الغل، القاتل والمتحرش والمعتدي، كل هؤلاء المجرمين لا يتحركون غريزياً من تلقاء أنفسهم، بل بعد أن يتلقوا شحنة كافية من المقت والتحقير للآخر. التحريض يجعلهم على موعد تاريخي مباشر مع العنف، وبما أن المشاعر والعاطفة تلعب لعبتها في ظاهرة العنف بصنوفه كافة، من هنا خطرت على البشرية فكرة تجريم التحريض عليه. هذه الأنفس تشربت من عقيدة التحريض والتحفز الصراعي ما يكفي للقيام بكل ما ينافي الطبيعة البشرية السوية من سلوكيات، صاحب هذه الاندفاعات عادة يتم تجهيزه ليعتقد أنه يؤدي واجباً دينياً خالصاً لوجه اللـه كي لا يتسلل في داخله الشعور بالأسف والندم على أفعاله، كل تقصير لديه في أداء الواجبات الدينية التي يفترض به الالتزام بها يصبح بالإمكان تعويضها بسهولة بعرض مغرٍ يستلزم استظهار أقصى ما يجيده من الإلحاح في إبراز الانتقام ومهارات العنف، وستضمن له هذه الأفعال من مشائخه مستقبلاً أخروياً عظيماً بحسب قوة ما أفضت إليه من كوارث. بعض الدعاة والأكاديميين من ذوي التوجه الإسلامي الحركي من المحرضين والممولين لتلك المواعظ الُمهلكة هم من استدرجوا إلى هذا الصغير وأمثاله الشعور بالاحتقان والإحساس المزمن بضرورة التضحية لينوبوا عنهم في تطبيق أفكارهم، المشكلة أن تلك الدعوات الدموية تصبح في مواجهة مع دعوات واهية تجرم الفعل بطريقة ناعمة لا تلائم قدر الأزمة وتعاظُم استشراء الوباء ولا تنوي نبش التراث والفكر الديني، تلك الدعوات المناهضة التي تأتي خجلى لن تخلص إلا إلى صلابة موقف التحريض نفسه لأنه لم يجد من يتصدى له بالقوة ذاتها.