الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

ومن كُتبت عليه خطىً مشاها

«ما بين الصعود والهبوط تتلخص السيرة الحقيقية للإنسان»، حكمة تنتهي إليها علياء بطلة رواية رائحة الزنجبيل للشاعرة والكاتبة صالحة غابش، فمن خلال التجربة التي مرّت بها تقرّ أن الإنسان يأتي إلى الحياة في رحلة، يعبر طرقات لا تكون ممهدة دوماً، ترتفع وتهبط، تجربة تعليه وتجربة تهبط به، والشجاع من تحمل هوان الهبوط، ولم يغترّ بألق الصعود. علياء دكتورة في الاقتصاد، ترعرعت في ظل مجتمع محافظ، واجهت صعوبات شديدة وهزائم كثيرة، كأي امرأة شرقية متعلمة ومثقفة وقوية. هجرها الحبيب لأنها أرفع منه منزلة. وتزلف لها آخر ليستغل مركزها. وينظر الجميع نحوها على أنها عالية ورفيعة ولا يجب أن تطالها الأيدي، هي عزيزة وصعبة المنال، ويجب ألا يقترب منها أحد، فلا أحد يستحقها حقاً. تبحث عن الفضيلة في وجوه أناس باتت الرذيلة طابعهم. براءة الطفولة مازالت تعشش في وجدانها وتتحكم في تصرفاتها وإن كانت قد حصّلت أعلى الشهادات وأرفعها. لذلك تلهو داخل تلك العلياء طفلةٌ تبحث عن بهجة خارج صورة المجتمع؛ متأتية من المشي في الطرقات القديمة تحت المطر، تلك الطرقات التي تشبه الحياة أو هي الحياة ذاتها. فإن كان المجتمع المحافظ يرى الخروج إلى الطريق والمشي تحت المطر عيباً لا يمكن أن يغفر لفتاة، فكيف الحال وعلياء ابنة العائلة المرموقة ذات الشهرة الواسعة هي من تفعلها؟! الطفلة التي بداخلها لا تعير المجتمع أهمية؛ لأن الرغبة أعظم من كل الإشارات الحمراء الملوحة في وجهها، إنها رغبة دفينة تصب في الحنين إلى الطفولة أيام كان اللعب تحت القطرات الهاطلة متعة وبهجة لا تحاسب عليها أعين الناس المترصدة للهفوات. لذا تخرج في رحلتها باحثة عن حقيقتها فتمشي قاطعة الطرقات مستسلمة للحظة تكسر فيها قفل ذاتها المنهكة.. (تابعت سيرها من دون أن تمر على خاطرها ولو مروراً فكرة التراجع عن رحلتها في هذا الجو.. إنها تعيش طفولتها وصباها وشبابها الآخذ في الانضواء خلف الغروب..). فالطريق المغسول بالمطر ما هو إلا حنينها إلى الصفاء والنقاء وحياة الحرية التي كانت تعيشها أيام الطفولة. ولأن الطرقات لا تكون نقية دائماً، ولا تحمل الطيبة ذاتها دوماً، نجد أن طرقات علياء ستتغير مع تغير مشاعرها، ها هو الطريق يصير مكاناً مرعباً تواجه فيه العدوانية وحدها، حين يتخلى عنها حبيبها - الذي ظنته مرة أمير الفضيلة - تاركاً إياها تواجه مصيرها لاهثة خوفاً مما تأتي به الأزقة في ظلام الليل الممتد إلى ما لا نهاية وسط الصحراء. ها هو الطريق الأليف المحبب الذي ركضت نحوه تغامر بالمشي تحت المطر وحدها، صار مكاناً موحشاً مخيفاً تواجه فيه غدر من وثقت به وسلمته مفاتيح مدينتها الفاضلة، ليتركها تواجه مصيرها وحدها في الظلام. كان جباناً تخلى عنها، وكم هم قلة أولئك الذين يصمدون عند الصعاب!! عاشت علياء وهم الفضيلة، حتى تجلى لها في منامها كابوساً جعلها تقف مواجهة نفسها في المرآة، لتعيد السؤال على نفسها مراراً وتكراراً لماذا تخلى عنها في الطريق وتركها تواجه الوحش العدواني وحدها..؟! وإن كانت قد تهربت من الوصول إلى أجوبة، إلا أنها عرفت أن الدرب الذي يسلكه الإنسان في رحلة وجوده هو الكفيل الأوحد في الكشف عن معادن الناس وجوهرهم. فليست الأماني ولا الوعود ولا الرغبات من يكشف الحقائق، إنما الدروب والطرقات ومن يخطوها معك أو ضدك.. لذلك تتابع طريقها نحو بيت صديقتها مستسلمة للطريق المتعرج الصاعد الهابط، فالحياة طرقات وخطاوي ومن كُتبت عليه خطى مشاها..! [email protected]
#بلا_حدود