الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

جزء من التراث والثقافة

يبدو أن كثيراً من أبجديات الفكر الداعشي وقت البحث عن جذوره يعود لجزء أصيل من هويتنا الثقافية والدينية القديمة التي مازلنا نحتفظ ونعتز بها حتى اليوم، ولو أعملنا بالكثير من الجهد والإخلاص البحث في كتب ومنهجيات ذلك التراث والثقافة فلن نعجب من انتشار تلك الأفكار على نطاق واسع في ذهنية بعض الشباب على وجه الخصوص، واحتشاد كم كبير من الأدلة المقوية لحضورها بينهم. لا أعتقد أن هذا القدر المخيف من الأفكار العنصرية والطائفية التي يحملونها سواء تم تطبيقها في الميدان بالفعل أو تم الاحتفاظ بها كمجرد فكرة، هو وليد لحظة تاريخية عابرة بقدر ما هو نتاج ثقافة انعزالية طويلة تم طبخها منذ وقت مبكر تحتقر الذات وتحتقر الآخر وتحتقر التقدم، تربوا عليها جميعاً ولم تفارقهم البتة، كانت الأفكار جاهزة ومتهيئة ثم انتظرت فقط اللحظة المناسبة كي تظهر للعلن. عادة فإن المتتبع لبعض صفحات التواصل الاجتماعي التي يمتلكها من يحملون هذه النوعية من الأفكار، والتي يعبرون فيها عن آرائهم المتطرفة بحرية أكبر، سيُدهش لهذا القدر من الانحطاط الثقافي والارتداد الأخلاقي الذي وصلوا له، وسيُدهش أكثر من كمية الجهل والتخلف والإمعان في احتقار العلم والمعرفة وكل ما يحرك ويطور قدرات الإنسان العقلية والجسدية، ومن كل هذا المبلغ الذي بلغوه في تشجيع الطائفية والعنصرية التي لا تشابهها أي عنصرية أخرى في العالم كله والدعوة إليها بكل السبل الممكنة. لنا هنا أن نتساءل أيضاً ما الذي فعلته بعض الأنظمة العربية طوال فترة حكمها الطويلة لتغيير تلك الثقافة وتعديلها ومحو ما يمكن محوه منها مما يشكل خطراً على الإنسانية؟ وما الذي فعلته غير رعاية الأحقاد الطائفية والمذهبية في بلدانها وزرع بذور الحرب الأهلية من باب «فرق تسد»؟ وما الذي حدث بالفعل غير السهر على رعاية سوء الفهم وانعدام ثقة مكونات تلك الشعوب ببعضها البعض وتعزيز تلك العداوات والمقت بكل الطرق؟ ما الذي كانت تفعله تلك الأنظمة كل ذلك الوقت بالضبط؟ في الواقع فكل ما فعلوه هو أنهم ولكي يمنعوا عنهم خطر تحرر شعوبهم من الأزمات التي تسببوا لهم بها ومن الجهل، قاموا بتعزيز ومساندة ثقافة العزلة عن العالم وإرعاب تلك الشعوب من ثقافة الآخر وأفكاره بحجة كونها ثقافة استعمارية تهددهم وتستهدف غزوهم ثقافياً والقضاء على هويتهم العربية والإسلامية. ولهذا نقول إن داعش بتطبيقها لتلك الأفكار نمت وترعرعت بينهم، انتعشت في بيئات منعزلة مرعوبة من الآخر ومستعدة لقبول أي شيء، وتلك الأنظمة في المناطق المضطربة إضافة لتحريض من يسمون أنفسهم رجال دين ليسوا بريئين إطلاقاً من إحياء تلك الثقافة بين الناس، وهذا الإرث المتطرف الذي حسبناه اندثر.
#بلا_حدود