الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

موناليزا للبيع

قد تفقد فرنسا مصدر ابتسامتها الشهير بعد أن ترحل «الموناليزا» عن اللوفر في وقت لا يبدو بالبعيد.لا، ليس لأنها ستتعرض للتفجير والنبش كما حدث لآثار العراق على يد داعش ومن سبقهم، ولا لأنها ستصادر لتتباهى بها المتاحف والمراكز الثقافية الغربية الشهيرة على غرار الكثير من الآثار العربية. وعلى النقيض من المسلة الآشورية التي نقشت عليها شريعة حمورابي أو أسدي بابل والتي ستبقى كلها تحتل جزءاً كبيراً من المتحف الباريسي الأشهر في العالم، ستضطر «الموناليزا» إلى شد رحالها لسد العجز في الميزانية الفرنسية. ستبتسم مرة أخيرة في وجه البطالة والعجز الاقتصادي قبل أن ترحل إلى وجهتها المجهولة حتى الآن على الأقل. وسيتسنى للعالم أخيراً وضع قيمة مادية للوحة أوهمنا لفترة طويلة من الزمن أنها لا تقدر بثمن. حسب تقرير إخباري، فإن اللوحة ستعرض للبيع بقيمة مليار ونصف المليار دولار، الأمر الذي ـ إن تحقق ـ يسد جزءاً بسيطاً من العجز في ميزانية الاقتصاد الفرنسي. لم أتمكن من تخمين الجهة التي قد تقتني هذه اللوحة الخالدة، رغم أن الأمر من الجوانب التي شغلتني بمجرد اطلاعي على الخبر بالإضافة إلى سؤال آخر حيرني: ترى ما الذي سيشغل مكانها في المتحف؟ أم أنه سيُترك خالياً تكريماً متأخراً من نوع خاص لها؟ المؤلم أننا وصلنا إلى مرحلة تُباع فيها اللوحة والأثر والرمز من أجل مبلغ من المال وإن علا، أيها الناس.. من يشتري التاريخ؟ ثم، ما الداعي إلى بيع رمز فرنسي مهم كهذا في الوقت الذي تشتكي فيه الدولة من البطالة؟ أي أنها تملك المورد الأساسي للأموال، مصنع الرجال الذي من شأنه أن يرفع من الاقتصاد ويحل الأزمة؟ لم تجاهل العلاج وإطلاق رصاصة الرحمة لقتل المريض؟ ثم، السؤال الأهم هل تملك الحكومة الفرنسية القرار الوحيد والأخير في شأن بيع الموناليزا أو التصرف بها؟ وإن كان، فأي فكرة عنها تنقلها للأجيال المقبلة بعد ثورة الباستيل ومعاني الحرية والمساواة والعدالة التي ترفعها؟ ماذا عن الدول العربية إذاً؟ هل يملك العراق مثلاً حق التصرف في آثاره بما فيها تلك التي تُعرض في متاحف العالم؟ هل يمكنه بيع بعض هذه الآثار لتسديد ديونه أو معادلة ميزانيته الاقتصادية مثلاً؟ أو قد تبيع سوريا مثلاً بعض آثارها وتاريخها لشراء الخبز للأطفال الجوعى والشاش والدواء للجرحى مثلاً؟ قاسٍ جداً أن يصل العالم إلى اليوم الذي يبيع فيه لحمه؟ إلى اليوم الذي تفقد فيه الأشياء الأهم أهميتها. إلى اليوم الذي تتداخل القيم فيه وتفقد معانيها. هل هذه الخطوة هي بداية لخطوات مشابهة تحرض لمرحلة جديدة من سقوط القيم؟ في الحقيقة، هناك من باع برج إيفل مرتين! وهو فيكتور لوستيغ. لأن برج إيفل كان قد تم بناؤه بنية مؤقتة على أن تتم إزالته وإعادة بنائه أو إنشائه في بقعة أخرى وذلك بحلول العام 1909. قرأ فيكتور لوسيغ يومها في صحيفة «لوموند» الفرنسية حول نية الدولة إجراء صيانة للبرج إلا أنها تكلف مبالغ باهظة، وفي قصة مثيرة للاهتمام وببراعة شديدة في النصب والاحتيال تمكن لوستيغ من انتحال شخصية مسؤول مهم والاجتماع بشكل سري مع ستة من أكبر مقاولي الخردة وتجار الحديد والصلب والاستيلاء على مبالغ منهم تحت بند «المناقصة» ثم «الرشوة» للحصول على البرج، ولأنه نجا بفعلته في المرة الأولى فقد أعاد تكرار العملية بعد عدة أسابيع مع خمسة آخرين من التجار إلا أنه هذه المرة ألقي القبض عليه وأودع سجن «الألكتراز» حيث توفي هناك. ورغم أن فكرة بيع الموناليزا ذكرت الفرنسيين بهذه الحادثة، إلا أن الموقف قد يختلف عن واقع وهدف ما حدث سوى في مبدأ «استخدام» المَعلم والرمز وانتهاكه. للتقليل من صدمة الخبر لا بد أن نستذكر قيام الولايات المتحدة الأمريكية بالحصول على هاواي عام 1898 وشراء ألاسكا من روسيا عام 1867، وإن أمعنا النظر في التاريخ نجد الكثير من الحوادث المشابهة. يبدو أن التاريخ بالفعل يكرر نفسه! [email protected]
#بلا_حدود