الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

بين كلمتين

بكلمة واحدة تصنع مجداً وبأخرى تهدم أمجاداً، بكلمة تؤلف قلوباً وبنقيضها تنفِّر قبائل، وبكلمة ترفع الأشياء إلى أعلى عليين أو تهبط بها إلى أسفل سافلين. وهنا أستحضر حكاية الخمار الأسود الذي حام حوله الكساد يوم اشترت النسوة كل الخُمُر الملونة متجاهلة إياه، فحزن التاجر على خسارته العظيمة وما ابتسم ثغره إلا حين أنشد الشاعر الناسك مسكين الدارمي الأبيات التالية: قل للمليحة في الخمار الأسود مـــــاذا فعلــــتِ بناســك متعبِّد قد كان شمَّر للصلاة ثيابه حتى وقفتِ له بباب المسجد ردِّي عليه صلاته وصيامه لا تفتنيه بحـــــــــقِّ ديـن محمـــدِ فما كان من النساء إلا أن تهافتن وتسابقن إلى شراء الخُمُر السوداء فلم تبقَ منهنَّ قطعة واحدة.. هكذا تحوِّل الكلمة مسار التجارة من الخسارة إلى الربح، تغيِّر مقاييس الأشياء من القبح إلى الجمال ومن الرداءة إلى الجودة أو العكس. كم من رجال دخلوا التاريخ بصفة الأبطال بفضل كلمة وكم من رجال دخلوه بصفة الشرذمة بفضل كلمة أيضاً، كم من كلمة أيقظت الضياء في نفس أحدهم وكم من كلمة فجَّرت الظُلمات في نفوس آخرين، كم من كلمات زرعت الورد وكم من كلمات شنَّت الحروب وورَّثت الضغائن.. فأيُّهنَّ كلماتنا؟ يقول باولو كويلو:«من بين جميع أسلحة الدمار التي يستطيع الإنسان ابتكارها، تعتبر الكلمة هي الأقوى والأكثر إثارة للرعب، فالخناجر والرماح تترك آثاراً من الدم، والسهام يمكن رؤيتها عن بعد، السموم تكشف في النهاية ويتم تجنبها، أما الكلمة فتستطيع التدمير دون أن تترك أية أدلة». الكلمة بذرة قد لا تثمر اليوم أو غداً ولعلها تثمر بعد أعوام طويلة إلا أنها مثمرة لا محالة، وإنها ذات لون وطعم ورائحة وصوت وملمس أيضاً فاختر لونها وطعمها ورائحتها وصوتها وملمسها بعناية واهتمام. زِن كلماتك لأنها تمثِّل أفكارك التي تعبِّر عن حقيقتك من الداخل.. اختر كلماتك كما تختار ملابسك، اغسلها كما تغسل بدنك، هذِّبها كما تهذِّب شَعرك ونسِّقها كما تنسِّق أطباق الطعام على المائدة لتلتقط لها صورة احترافية تشاركها أصدقاءك في إنستغرام! [email protected]
#بلا_حدود