الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022
الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022

الأكاديمي المغرور .. أنا أو الطوفان

اعتدنا خلال سنوات طويلة أن يكون العلماء والأساتذة الجامعيون هم الصفوة والذين يؤنس برأيهم ويتقدمون الناس، وعرفت المجتمعات في مسيرتها نخبة من حملة الشهادات العالية والدرجات الرفيعة، وكذا الحكومات، وكانت عناية دول الخليج بالأكاديميين من أبنائها مشوبة بفرحة، فتولوا الوزارات ومنحوا الحظوة والرعاية الكبيرة، وقد أبلوا بلاء حسناً ظللنا جميعاً نفتخر به، في كل بلاد الخليج. ولكن فات على بعض المتنطعين أنه لم يكن المقياس يوماً هو مجرّد حصول الإنسان على لقب «أكاديمي»، وإنما العطاء والدور الذي يلعبه في المجتمع، والولاء لبلاده والوفاء لعقدها الاجتماعي، واحترامه، ومواقفه في الأوقات الصعبة التي ينخذل فيها الناس ويعز فيها النصير. إن ما يتعرض له الوطن والمنطقة المحيطة من محنة حقيقة تجعل أبناءه والمثقفين خصوصاً في واجهة التحديات، وتجبرهم أن يقفوا في صف وطنهم لحماية نسيجه وتقديم السند الكامل له، سواء بالرأي أو بالفكرة أو حتى المناقشة، وظلّ الكثير يقفون هذا الموقف، ولكن ما غاظني أنّ البعض ظلّ سنوات يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، يتأرجح ما بين فقاعة المعارضة والولاء، يتأخر ويتقدم ويستغل حلم حكام الخليج وأبنائه، ويأتي في هذه الأوقات الحرجة يعرض خدمات وكأنها جميل يبذله لهذا «الوطن»، يفعل ذلك وبين أحرفه عبارات الازدراء البغيضة، والانتقادات المشوبة بالتنطع والتطاول، وكسر الخطوط الحمراء. أدرك أن هذا زمان الاحترام والصدر الواسع، ولكن من باب النصيحة والرأي والرأي الآخر، لم أستطع أن أكبت ضرورة التنبيه على أن ما يقدم للوطن ليس منة، بل هو واجب، فكما لنا حقوق فإن علينا واجبات. عزيزي المثقف متورم الذات متضخم الوهم؛ إذا لم تكن مقتنعاً بوطنك ومنظومة الولاء له، فاحتفظ برأيك لنفسك، فإننا في حرب، إما مع الوطن أو ضده، أما ممارسة التشغيب بادعاء «الديمقراطية»، فدعنا نقلْ لك إن الخيانة هي الخيانة سواء لففتها بحريرة أم زرعتها في سهم! وإن التذاكي بالعبارات لا يشفع، فموقف المداهنين والمتلونين لا يليق بنا، فلم يعد يخدعنا ما تمارسه ولا يخدع أحداً! ما معنى أن يشكك أكاديمي في بيان صادر من وزارة الخارجية وتوضيح رسمي عن أداء القوات المسلحة؟ هل يا ترى يظن أنه قدم «بطولات» تستحق أن يصبر عليه الجميع لمجرد أنه أوقف تعامله مع صحف تعادي بلده؟ أم يظن أن الناس نسوا تعاطفه «السمج» مع الخونة وأعداء بلاده مدعياً أنه ديمقراطي واحترافي؟ هل يمنّي نفسه أن يتقدم الوطن له بالشكر، ويقلده المناصب، وهو يمنّ عليه بنصف قلب وربع عقل وبضع روح؛ أم أنه يظن أن ما في البلد إلا هذا الولد، ألا يدري أنه وبفضل الطفرة الذكية، تتضاعف أعداد المتعلمين والخبراء والأكاديميين في البلاد كل عام مرتين، وأن خطة التنمية الشاملة قضت على ندرة المثقف، وتوجد الآلاف غيره الآن؟ كم هو مضحك أن يظن البعض أن مجرد تبرعه بتغريدة يؤهله لتقلد منصب دستوري وربما سيادي، وما أقبح أن يكون الولاء للوطن مربوطاً بطموح وبرغبة في اعتلاء المناصب، والحظوة السياسية، والأبهة. إنّ الحياد هو وهم كبير، بل إنه انحياز وخيانة ملطفة، وحرب الوطن لا يجوز فيها أن نتخذ المواقف الترفية، ونمارس التلاعب بالعبارات. من لا يقف مع وطنه، وأمته، وشعبه، فعلى الجميع أن يدركوا أن ما تعلمه، سيذهب أدراج الريح، فما قيمة العلم لو كان بلا عمل! إننا نقف بقلب رجل واحد، مدركين خطورة ما نمر به، ولا نقبل بيننا متخاذلاً. وإن كانت الظروف تجبرنا على الصمت، ولكن يجب ألا يتمادى المتكبر فكم أورد الكبر الناس في مهالك. حفظ الله الوطن. [email protected]