الاحد - 27 نوفمبر 2022
الاحد - 27 نوفمبر 2022

أربعة رجال غاضبين

هل حدث يوماً أن انفجرت غاضباً على جرسون المطعم، لأنه تأخر قليلاً في إحضار الطعام؟ أعتقد أن الأغلبية ستجيب بـ (نعم)، فحالات الغضب تداهمنا كثيراً في حياتنا اليومية، خصوصاً عندما نلاحظ أن الطرف (المغضوب عليه) لا يؤدي عمله بالشكل المطلوب، أو نشعر بعدم تقديره لنا. وفي ذروة غضبنا نكون على يقينٍ تام بأننا على حق، وبأن الطرف الآخر مقصر، ويستحق ما جاءه من عتابٍ ولوم. وبعد دقائق قليلة يبدأ هذا اليقين بالتلاشي شيئاً فشيئاً، وتبدأ الصورة الحقيقية للموقف بالتشكل أمام أعيننا، ونكتشف حينها بأن الجرسون لم يقصر في عمله، بل كان يعمل بيديه ورجليه لتلبية طلبات الزبائن، ولكن كثرتهم، وتوافدهم في وقتٍ واحد، يعوق وصول الطلبات إليهم في الأوقات المتوقعة. وفي هذه المرحلة على وجه التحديد تتباين ردود أفعال الغاضبين، فمنهم من يستمر في غضبه ظناً منه أنها الوسيلة الأنسب لإقناع الآخرين بصحة موقفه، ومنهم من يلوذ بالصمت ليتجاوز الموقف بأسرع وقت ممكن، ودون لفت الكثير من الأنظار إليه، ومنهم من يبادر بالاعتذار، وتطييب خاطر الجرسون، ليستعيد رضاه عن نفسه، ويتخلص من الشعور بوخز الضمير. النموذج الأول هو المتضرر الأكبر من الموقف، فهو بغطرسته كوّن لنفسه صورة قبيحة في أذهان الآخرين، وسقط من عين نفسه، حتى قبل أن يسقط من أعينهم. وهو بلا شك أقسى أنواع السقوط، وأكثرها مرارة. والنموذج الثاني (وهو الأكثر شيوعاً) لن يسلم من الشعور بوخز الضمير، لأنه أدرك خطأه، ولم يبادر إلى تصحيحه، وطغت السلبية على أسلوب تفاعله مع الموقف بشكل عام. أما النموذج الثالث فهو أقلهم تضرراً من الموقف، فالخطأ وارد، والاعتراف بالحق فضيلة، والمبادرة إلى الاعتذار قيمة إنسانية، تستحق أن ننظر إليها بالكثير من التقدير. من التقسيم السابق نستنتج حقيقة مهمة، مفادها أن الضرر موجود في الحالات الثلاث، وإن كان بنسب متفاوتة. أما النموذج الذي لا يمسه أي ضرر، وينجح في المحافظة على صورته الجميلة في أذهان الجميع، فهو الرابع، الذي يشعر بالغضب، لكنه يكتمه، ليمنح نفسه مساحة زمنية كافية للتفكير، ولرؤية الصورة على حقيقتها بعد أن ينجلي عنه ضباب الغضب، فنراه يتراجع من تلقاء نفسه عن أي سلوك سلبي، ويستبدل اللوم بابتسامة خفيفة للجرسون المغلوب على أمره، ترفع من معنوياته، وتساعده على استكمال عمله بأقل قدر من التوتر والأخطاء. [email protected]