الأربعاء - 16 يونيو 2021
الأربعاء - 16 يونيو 2021

إدانات انتقائية

في وقت سابق لاحظنا جميعاً كيف قامت الدنيا ولم تقعد وكيف اجتاحت التظاهرات الغاضبة والتعبير القوي عن التنديد معظم عواصمنا العربية والإسلامية والعالم، حتى وصل الأمر إلى تخريب المرافق العامة وإحراق الكنائس وقذف السفارات بالحجارة وقتل السفراء والاعتداء على أبرياء، وكل هذا الجنون ترافق مع جانب إيجابي شمل إعادة إحياء سيرة النبي عليه الصلاة والسلام للأذهان وحملات تعريفية واسعة بخلقه ومحاسن سلوكه، كان الدافع وراء ذلك كله رسوماً كاريكاتورية مسيئة للنبي في صحيفة دنماركية مغمورة، ومن ثم تلاه الفيلم المسيء الذي يسخر من سيرته ويستعرضها على سبيل القدح فيها. ما حدث كان رد فعل لما اعتبروه إساءة للإسلام والمسلمين في أرجاء العالم وإيذاء لمشاعرهم، لن أناقش هنا ما إذا كانت ردود الفعل إزاء تلك الأعمال طبيعية أو مبالغاً بها؛ فقد سبق أن تناولت تلك المسألة في حينها، لكني بصدد التساؤل الآن عن غياب مثل هذه التظاهرات والتنديدات والبيانات من علماء المسلمين والمفتين والوعاظ وتلامذتهم وبعض مؤسساتهم وهيئاتهم في العالم عن الجرائم التي تُرتكب باسم هذا الدين في كل من سوريا والعراق وغيرهما من البلدان الأخرى، وما هو رأيهم الصريح والواضح فيما يحدث بدون مواربة أو اختيار الوقوف في المنطقة الرمادية بالعلن بينما يضمرون في دواخلهم ما لا نعلمه؟ لماذا نواجه اليوم كل هذا الصمت المطبق؟ وكيف يمكن تفسيره؟ وهل حياة الإنسان الذي يُسفك دمه بلا ذنب أرخص فعلاً من أن تُحرك المشاعر الدينية لدى كل هؤلاء أو حتى المشاعر الإنسانية؟ لماذا لا تُستثار وتلتهب تلك المشاعر لمشاهد الرؤوس المقطوعة والمجازر الجماعية؟ ولماذا لا نراها تنتفض لانتهاك حرمة الجسد بينما نراها تستشيط غضباً من موضوع الرسوم والأفلام؟ بأي طريقة يمكن أن نستوعب تلك المعايير الدينية المزدوجة لديهم؟ أليسوا يدعون السير وفق المنهج الإسلامي القويم الذي بدوره يجرم كل هذه الأعمال بحشد كافٍ من الأدلة؟ فما بالهم ينتقون اليوم ما يصلح للإدانة بحسب مصالحهم أو بحسب ميلهم السياسي أو النفسي وما لا يصلح؟ لم يحرك معظمهم ساكناً لإدانة الحركات الإرهابية، وكثير منهم فضل أن يخرس عن الكلام عن المذابح، ولم يكلف نفسه ولو على سبيل رفع العتب بالقيام بمظاهرات واحتجاجات أو مسيرات سلمية أو بيانات أو مقالات أو تغريدات للتنديد بتلك الفظائع، فلماذا يا ترى؟ ثم نراهم يلومون من يعتبر صمتهم اللاأخلاقي الصادم هذا تعبيراً عن الارتياح لتلك الجرائم، فماذا كانوا ينتظرون من هؤلاء الناس بالضبط؟ إحسان النية بهم؟ هذا السكوت الكامل في جهة وشدة الإدانة في جهة أخرى لن يفسر لدى عامة الناس بأكثر من كونه نوعاً من الرضا الخفي، شاؤوا هذا أم أبوه.
#بلا_حدود