السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

طغيان يصنعه الجمهور

منذ زمن ونحن نردد ونتداول تلك الخطب المغشوشة عن جرائم الاستعمار وما تسبب به من خراب أبدي لبلدان المنطقة، وما أكسبه الشعوب من بلاء مزمن من العسير اقتلاعه، اعتدنا على تكرار ما تحاول بعض الأنظمة الطاغية تعويد شعوبها عليه دون محاولات تفكير وتحليل، ورغم أن تلك الشعوب مازالت تدفع ثمن هذه الأكاذيب التي تبثها تلك الأنظمة ليل نهار للتغطية على جرائمها معهم والمعراة أخيراً، إلا أن البعض لا يمانع اعتناق تلك الأفكار بإخلاص ويردد مسؤولية الاستعمار عن كل ما وصلوا له من ضيق وانسداد وسوء مصير. حتى لا يجادل أحد في فكرة الاستعمار، هو أمر مرفوض قطعاً وغير مقبول أخلاقياً وخروجه كان حتمياً، لكنّ هناك أموراً يمكن قولها، منها أن الاستعمار حين تخلى عن تلك البلدان منذ وقت، بعضها كان قد قطع فترات زمنية كافية جداً لبدء نهضة تسجل حضوراً عالمياً قوياً لكنه لم يفعل، خرج الاستعمار عقب أن ترك لهم دساتير مدنية حديثة وآليات آمنة وعصرية للانتقال السلمي إلى السلطة، لدينا مثال في سوريا حين كان من تركة الانتداب الفرنسي لها حكومة وبرلمان وحرية وأحزاب تتنافس بشكل متحضر على السلطة، ولعل أهم عنصر من تلك التركة كان الدستور المدني الذي صاغه السوريون سنة ١٩٢٨، لكن هذا الحال لم يرق لقطاع من الشعب فانتفضوا ضده وانتصروا لصورة الزعيم الملهم الروحي، وأخذوا يتلون الشعارات التي تلوم الاستعمار وتمجد الزعيم، لا ننكر أن للاستعمار جوانبه السلبية السيئة، لكن من غير المنطقي الإيمان بأن تلك الآثار تعد بعيدة المدى بشكل يمكنها من العبث أيضاً بحاضر تلك البلدان ومستقبلها، لقد قضوا على التركة المتحضرة بدلاً من إكمالها والبدء بحياة مستقلة أفضل. الاستعمار لم يجلب لهم الطغاة، الطغاة صناعة محلية، في مصر منحهم الاستعمار حياة برلمانية ودستوراً مدنياً وأحزاباً مصرية كانت تتنافس سلمياً للوصول إلى السلطة وكافة أنواع الحريات السياسية بالمثل. أيضاً بالنسبة للعراق، ففي زمن الانتداب البريطاني صاغ العراقيون لأنفسهم أول دستور مدني، كان أمام العراق مستقبل مشرق ومشرف، لكن الجماهير فضلت أن تصطنع بطلها الخاص بها بدلاً من كل ذلك، وكذا الحال بالنسبة لليبيا التي كانت في عهدة الإيطاليين، منحوها دستوراً وحياة مدنية وبرلماناً بودهم استعادته بعد كل هذا الخراب المزري. لم يستدرج الاستعمار للمنطقة كل هذه الأمراض المستعصية، بل إن المسؤول الأول هم أولئك الذين لم يملوا من تلبيسه تهمة تدهور الأحوال حتى هذه اللحظة بغرض تلميع البطل، في زمن الحكومات قبل الاستقلال لم يكن يفكر أي من أبناء المنطقة في الهجرة منها، ولنر الفرق الهائل بين ذلك الحال القديم وبين هروب الكثير من اللاجئين العرب من أوطانهم اليوم بسبب رداءة الأوضاع الاقتصادية والأحوال السياسية وانعدام الأمن على أيدي مناهضي الاستعمار.
#بلا_حدود