الأربعاء - 07 ديسمبر 2022
الأربعاء - 07 ديسمبر 2022

التخفف من الأحمال

حضر الحارسان قابضا الأرواح -حسب الديانة البوذية- إلى السيد جانغ، وكبلاه بعنف وقاداه نحو ملك الجحيم، الذي تفحصه طويلاً ثم قال له بأسف: «مازال لديك عشرون عاماً حتى تموت، ولكن الأعباء التي تحملها ثقيلة للغاية، وستضغط عليك حتى تعجل بموتك بالفعل، حسناً، لقد جئت قبل موعدك، فلتتخلص من أحمالك». كتب القاص الصيني (جانغ جي شو) وهو من أشهر كتاب الصين في الزمن المعاصر، قصة (التخفف من الأحمال)، واصفاً تلك الحالة التي لا بدّ أن تمرّ على كل إنسان يزور الحياة الدنيا. في معظم الأديان والمعتقدات، لا ريب أن الإنسان يأتي ليعيش فتثقل كاهله الأعباء، حتى يرحل عنها يوماً ما طال أمده أم قصر خلو اليدين. كما أتاها يرحل عنها.. بلا أحمال. في القصة يساعد الحارسان السيد جانغ على التخلص من أحماله، ويقضيان معه يومين كاملين في تلك المهمة، فيا ترى ما تلك الأحمال التي عليه أن يتخلص منها قبل انتقاله إلى الجهة الأخرى (ناراكا) حيث ستتطهر روحه من خطاياها بالتعذيب والمعاناة؟! كان الحمل الأكبر هو حمل العائلة والأقارب، وهمومهم، ومشاكلهم، والمجاملات، والمساعدات، والواجبات التي تكبر مع الزمن، وتزداد كلما توسع محيط العائلة، حمل العائلة حمل ثقيل، لا يمكن للمرء الانعتاق منه بسهولة، فكيف يتملص الإنسان من أبويه وإخوته؟ وكيف يعزل نفسه عن مشاكل الشريك وعائلته وأقاربه وجيرانه؟ كل هؤلاء الأشخاص الذين يشاركونه السراء يثقلونه أيضاً في الضراء كما يثقلهم هو!! أما الحمل الثاني الذي لا يخرج الإنسان من الحياة إلا بعد تخلصه منه فهو حمل الثروة والمال، أتى (جانغ) إلى الدنيا فقيراً يسكن منزلاً ضيقاً براتب قليل، ومع المثابرة والعمل؛ ازداد راتبه وتوسع منزله وتغيرت جودة طعامه. يقول: «وكلما ازدادت الأموال أصبحت غير قادر على المقاومة وأنفق الكثير.. حتى أثناء نومي كنت دائماً ما أفكر كيف يمكنني أن أزيد ثروتي». وكان عليه كذلك أن يتخلص من حمل السمعة الذي يحمله منذ ولادته. وبسببه خطا خطوات صعبة في طريق مملوء بالصعوبات، تخلى خلالها عن شعره في تلك الرحلة إلى أن وصل إلى رتبة نائب وزير مرموق وأصلع..! وكيف يمكنه أن يعبر إلى الضفة المقابلة دون أن يتخلص من حمل المكانة المرموقة التي أوقعته في المنافسة المرهقة جسدياً ونفسياً، وأورثته سرطاناً يستشري في كبده وأعضائه الحيوية بخبث وغفلة؟ لأنه كان مشغولاً بالنظر نحو العرش الوزاري.. غافلاً عن جسده..! أما حمل حب النساء فذلك حمل تحصّل عليه نتيجة كل ما سبق وراكَم من أحمال، فمع المكانة التي تربع عليها زاد عدد الجميلات القابعات في أحضانه.. الضاغطات على صدره.. يومان من العمل الدؤوب ولم يتخلص إلا من خمسة أحمال، حتى ضجر منه الحارسان وقالا له: أكمل عملك وحين تنتهي نادِ علينا لنرفع تقريرك إلى الملك. كم عليه أن يعمل ليتخلص من أحمال أرهق نفسه في مراكمتها على عاتقه؟! أكمل السيد جانغ العمل لثلاثة أيام أخرى بلياليها تخلص فيها من باقي ما أثقل جسده المتهالك من أحمال عالقة كدّسها في رحلته الدنيوية ولن يخرج بها مما فعل. أيمكن فعلاً أن يأتيَ المرء إلى الحياة دون أن يرهق جسده بأحمال كثيرة؟ أيمكن له أن يعيش بمعزل عن مشاكل أهله وعائلته دون أن يحمل همهم فوق همه ويمشي بها إلى مصير مجهول يؤرقه ليلة بعد أخرى ونهاراً بعد آخر، يفكر في الثروة والمال والمكانة والسمعة والشهوات؟! أيمكن له أن يعيش عمره المقدر له والذي يستطيع جسده فعلاً أن يعيشه دون أن يقصفه بكثرة الأثقال التي تعلق به طوال الطريق؟ ليت السيد جانغ فكر مرةً قبل أن يأتيه الحارسان ليقبضا روحه- ليته فكر فيما يمكنه التخلص منه والاستغناء عنه، ليواصل رحلته خفيفاً، لربما أكمل بها سنواته العشرين المنقصمة. لكن أكان يضمن ألا يراكم أعباءً وأحمالاً من نوع آخر..؟! [email protected]