الخميس - 08 ديسمبر 2022
الخميس - 08 ديسمبر 2022

كُره الأوطان .. عقيدة النُشطاء والإخوان

معلومة تاريخية تقول: «في الوطنية الكلاسيكية من القرن 18، كان الولاء للدولة يعتبر أساساً ضد الولاء للكنيسة، وقيل إن رجال الدين المسيحيين لا ينبغي أن يُسمح لهم بالتدريس في المدارس العامة، لأن غايتهم الجنة، ولا يمكن أن يزرعوا حب الوطن في طلابهم». وأنا أقول: الوطنية في هذا الزمن، تُعتبر الولاء للأرض الطيبة الثابتة، وليست للحزب المُتنقل، ولا ينبغي أن يُسمح للحزبيين العدائيين المشاركة في مصالح دولنا، لأن غايتهم هي نخرها، ولا يمكن أن يُقدّموا لأوطاننا إلا الخراب عبر تفتيت أساسها وتسليمها لمراجعهم. المعلومة التاريخية، جعلتني أستحضر بعض الأطراف الحزبية المتطرفة في الرأي أو الفكر، الذين ينتمون لجماعات وتنظيمات إسلاموية، تتخذ من أوطاننا مواقف ندّية، أو إلى منظمات تدعي الحقوقية المدنية والسياسية، وهي بالأصل تثأر لتنظيماتها أو لأفرادها، وتوظّف مراهقين وبسطاء يتحدثون بلسانها علناً، بينما هم من تحت ستار يُديرونهم ويغذونهم، ويمدونهم بالعناوين العريضة، ويُنتجون لهم مواد إعلامية تتصادم بقوة مع مؤسسات تلك الدول بلا منطق مقبول، مستخدمين قضايا اجتماعية يتغذَّون منها، ليلووا بها ذراع المواطن، ليخلقوا منه قنبلة موقوتة، ليستخدموه في تحقيق أهدافهم. وهناك أفراد اغتَرَّوا بشعارات «الحرية» و«التعبير عن الرأي» و«الشعوب ليست عبيداً لأنظمتها»، وبدأوا بتصنيف أنفسهم بالنشطاء السياسيين أو الحقوقيين، ويدورون في فلك الفلسفة السياسية والمدنية الخالية من الاتزان والمنطق والعقل، وقد يقومون بتصفية حساباتهم لأسباب تخص قضايا تمسهم لم يُنصفوا بها، وتسبب فيها مسؤول مُقصّر، لينطلقوا على أثرها بضرب الكل، ويصطادوا أدَق الزلات والأخطاء، ليبنوا عليها مخالب النقد الجارح الهادم، متجنبين التقويم العقلاني الباني. ففي المناسبات الوطنية يقوم أولئك بتخوين كل من يبدي حبه لوطنه، أو يحتفل بعيد تأسيسه أو وحدته أو استقلاله، ليخلطوا الحابل بالنابل، ويشترطوا في إظهار الانتماء «تحقق كسب قضاياهم وانتظام حاجاتهم، واكتمال رضاهم عن أداء حكوماتهم»، وإلا فلا. البعض قد تكون لديه اختلافات في وجهات النظر مع حكومته، أو له رأي في قضية ما، فيقوم على إثر ذلك بسلب الوطنية من نفسه، ولا يتورع عن الاستهزاء ممن يتغنى بالأرض والتراب، ويعتقد أن الوطنية عبارة عن وزارة أو مؤسسة أو حتى شخص. لا يدرك أولئك أن الوطن شيء، والقضية شيء آخر، وأن قضاياه التي يختلف بها مع أي مسؤول، لا تلغي وطنيته ولا حبه لوطنه، فليته حينها يترك الرقص على أوتار النغمات المراهقة، وتلك الأخرى الخبيثة التي لا تؤسس ولا تبني. إن كان أولئك حالمون بالكمال التام غير المنطقي، والذي من المؤكد لا يتحقق حتى في المُدن الفاضلة، فإنهم لن يجدوا مواطناً في أي دولة، بل سيرون مقيمين بلا وطنية حسب تصنيفهم، لكن يبقى المواطن الحق يتمسك في تحقيق حقه المشروع بطرق مشروعة ونظامية. هناك شعوب تعيش في أوطان، وهي تقبع مع قضايا ومحن لا تفارقهم حتى مماتهم، لكنهم في وقت الشدائد يدفعون الأذى عن دولهم، وفي المناسبات الوطنية يتجردون من كل شيء لأجل التعبير عن الحب والانتماء. لا شك أن عشق الوطن من الأمور الفطرية التي جُبل الإنسان عليها، فليس غريباً أن يُحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه، وشبَّ على ثراه، وترعرع بين جنباته. كما أنه ليس غريباً أن يشعر الإنسان بالحنين الصادق لوطنه عندما يُغادره إلى مكانٍ آخر، فما ذلك إلا دليلٌ على قوة الارتباط وصدق الانتماء. يسعى الإخوان المسلمون وبعض الأطراف الأخرى من الفرق الدينية المتشددة إلى إلغاء مبدأ الوطنية، وجعل الانتماء مبنياً على المرجعية الحزبية أو الدينية فقط، والاحتفال بالأعياد الوطنية منافياً لمبدأ الدين الإسلامي، رغم عدم ورود أي دليل يوافق قولهم، في محاولة منهم إلى نزع أي ارتباط وثيق بين الحاكم والمحكوم على حساب الوطن والوطنية، لتحقيق مآرب ومشارب تخدم مصالحهم وأجندتهم، ولكن أثبتت الأحداث أنه «لا يفلح الإخواني حيث أتى». [email protected]