الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

اختلاف بين المفهومين

مصطلح الشعب مختلف تماماً عن معنى مصطلح الجماهير، عادة فإن الشعب يعبر عن جماعة غنية وقوية بتنوعها وحيويتها ودورها التنموي، فيما الجمهور خاوٍ بأفراده الذين هم نسخ مكررة عن بعضهم البعض، الشعب يتشكل من أفراد فاعلين مستقلين لا يساومون على عقولهم ولا إراداتهم الحرة، فيما الجمهور مجرد كتل عمياء لا عقل لها تنتظر المخلّص البطل الذي يفكر ويخوض ويدبر بدلاً منها. الشعب يبدع ويصنع حضارته ويقوّم قادته، فيما الجمهور لا يبدع ذاتياً بل هو مادة الاستبداد وآلة الخراب وصانع الطغيان، الشعب ينتفض ضد طغاته، فيما يعبد الجمهور قادته ويؤله من يفتك به ويجره إلى حتفه. الشعب بالمجمل يعني أفراداً أحراراً، فيما الجماهير مجرد قطعان تتحرك بغرائزها ووفقاً لمصالح موعودة بها من البطل الطاغية الذي تمعن في تمجيده، ولهذا نرى حاجة الطغاة عادة للجماهير التي تمجدهم وتلبسهم ثياب التقديس التي لا حصر لها وتفرغ عليهم كل ما له علاقة بالدين كأحد أسباب بقائهم المؤبد. الطاغية لا يحتاج إلى شعب لأن الشعب يدمر مقومات تأليهه ويمنحه الشعور بكونه موظفاً لخدمتهم وليس العكس. هكذا نرى أن الجماهير عامة ليست فقط مطبقة الأعين بل جاهلة كذلك ومُبعدة قسراً عن أي مصدر للمعلومات خشية من منحها فرصة للتفكير يوماً ما وإعادة الحسابات. وفقاً للفرق السابق بين المفهومين تبدو معظم شعوبنا العربية ومنذ أن فارقها المستعمر مجرد كتل جماهيرية، جماهير فاقدة للحواس لا تعرف الفرق بين قيم المواطنة والحق في إبداء الرأي المصلح المقوم، لا تمتلك البصر ولا البصيرة ولا تنوي تغيير ذاتها والنهوض ولا تخطط لذلك، يهمها قضاء احتياجاتها الغريزية فحسب، هذه النوعية هي من جلب الطغاة على رؤوسها ورؤوس غيرها ليقاسي بقية الشعب الحر ثم ينتفض في لحظات غضبه لتخليص نفسه من هذا البلاء فيواجه بلاء آخر ومقاومة غير محسوبة من قبل تلك الجماهير الجهولة التي تتهيب قائدها وتصد من يرفضه، ولذلك اختلطت الأمور في الثورات وضاع الحق. ظلت الجماهير هائجة على طول خط الثورات حتى نثرت الغبار وغيرت المعادلة وحرفت تفاصيل القضية ورفعت شعار «إما القائد أو الخراب»، ولهذا استحقت بجدارة حكم الطغاة باضطرابها الحالي وهي تدفع ثمناً غالياً من أمنها واستقرارها بسبب اندفاع هذه الجماهير وتلويثها مشاريع الازدهار وأحلام البقية، وما زال أمام بعض تلك الشعوب مستحقات كثيرة لم تُدفع بعد.
#بلا_حدود