الخميس - 08 ديسمبر 2022
الخميس - 08 ديسمبر 2022

العمالة السائبة ... إلى متى تبقى سائبة؟

منذ بدأت أتعلم قراءة المجلات والجرائد منذ ما يقرب من الثلاثين سنة ماضية، وأنا أقرأ عن العمالة السائبة وخطرها على المجتمع، وكأن هذا الخطر لا يمكن إزالته من المجتمع، وكأن المجتمع قد وصم بهذه الآفة لتكون أحد مكوناته، فهي سائبة أي من دون أي ضوابط يمكن أن تحكم وجودها أو تحد من أخطارها، عدا التباكي عبر التقارير الصحفية التي تعقب عادة جريمة ما أو قراراً بإعفائها من الالتزامات المالية للتخلف عن تجديدات الإقامة، وتسهيل المغادرة إلى بلادها، أو عندما يصدر قانون بعقاب من يقوم بتشغيلها أو إيوائها. إن تفاقم انتشار العمالة السائبة في الأماكن العامة ووسط الأحياء السكنية ظاهرة لا تزال تشوه المجتمع، وتتسبب بالعديد من المشكلات الأمنية والاجتماعية وتضع على عاتق البلاد الكثير من الضغوطات السياسية التي لا تخفى على مطلع، فهذه العمالة تنتشر في كل مفاصل الحياة اليومية من الحمالين وغسالي السيارات إلى فنيي الكهرباء والبنائين وغيرهم من المهن، متسلحين برخص الخدمات التي يقدمونها واستعدادهم للقيام بها في أي وقت وأي مكان ومن دون أي تعقيدات، الأمر الذي يجعل الاعتماد عليهم من قبل الناس أحياناً محتماً ولابد منه. لقد كانت الغرامات والعقوبات التي تفرض على المواطن في حال تشغيل هذه العمالة من أكبر الغرامات المفروضة في العالم، وتصل إلى خمسين ألف درهم زادت مؤخراً إلى مئة ألف درهم، بالإضافة إلى احتمال السجن وبعض العقوبات الأخرى، وهو أمر قد أثبت عدم جدواه حتى الآن، لذا فإن زيادة العقوبة بتشديد الغرامة لن يحدث الفرق المنشود، علماً أن العمالة تشتغل وتتحرك تحت أنظار القانون والمؤسسات التي في جميع أنحاء البلاد. لذا فإن السؤال أين تكمن حقاً المشكلة؟ العديد من هؤلاء لديهم تأشيرات تخول لهم البقاء ولكنهم لا يعملون لدى كفلائهم، في حين نجد أن هناك عدداً كبيراً منهم تجاوزوا السبعين من العمر وما زالوا يقيمون في البلاد، ويعاني عدد غير بسيط منهم عاهات وإعاقات تمنعهم من العمل تماماً، ورغم ذلك لديهم إقامات عمل، في حين أن الزائر لمناطق الأسواق الشعبية والصناعية يجد عدداً كبيراً منهم وهم ينتظرون اصطياد زبون يرغب بخدماتهم، فحالما تتوقف سيارة يكادون يقلبونها على رأس قائدها وهم يتدافعون لكي يركبوا السيارة حتى قبل أن يعرفوا ماذا يريد السائق الذي قد يكون يسأل فقط عن عنوان ولا يرغب بخدمة. إن الاستياء من هذه الظاهرة الماثلة للعيان منذ أمد بعيد قد نوقش في جميع المؤتمرات والاجتماعات والتقارير الصحفية والبرلمانية حتى في رسائل ماجستير ودكتوراه لبعض الباحثين، ووضع العديد من السيناريوهات للقضاء عليها، ولكن حتى اللحظة ما زلنا نعيش ونحن نستنكر وجودها وفي الوقت نفسه لا نستغني عن خدماتها، ويستمر الوضع معقداً وعلى المتضرر اللجوء للقضاء. أذكر في السبعينات عندما كانت البلاد في طور الإنشاء وكانت المزارع والمنازل تعج بالعقارب والثعابين بشكل لا يمكن معه السلامة من حادثة لدغ بين فترة وأخرى، لجأت الحكومة إلى منح مقابل مادي لكل من يقوم باصطياد العقارب والأفاعي، ما أدى إلى شبه انقراضها من الأماكن السكنية والزراعية، وانتهت بذلك مشكلة كبيرة واجهت السكان خصوصاً في مدينتي «العين». على الجهات المعنية أن تتجه إلى ابتكار طرق جديدة في القضاء على هذه الظاهرة لا تتضمن بالضرورة العقوبات المالية على المواطن أو تشديدها، حيث يجب أن تراعي حتمية الاحتياج إلى الخدمات الرخيصة في ظل الغلاء الفاحش في كل شيء بما فيها الخدمات بشتى الأنواع، ولعل طرح فكرة التعيين الداخلي في شركات البناء قد تجدي خصوصاً ونحن مقبلون على القيام بالكثير من الإنشاءات مثلاً في دبي حيث سنستضيف إكسبو وجميع الإنشاءات التي تسبقه، فتمنع الشركات من جلب أي عمالة من الخارج وتعلن وزارة الداخلية عن مشروع وضع قوائم تشغيل للعمالة في المهن المتصلة في البناء كالحدادين واللحامين وعمال البناء، ويتم إلحاق من يتم تسجيلهم على كفالات الشركات العاملة في البناء وتعديل أوضاعهم، وسيشكل هذا نوعاً من الحل. وكذلك يمكن إشراك المواطن في عملية التنظيم بمكافآت لدى الإبلاغ عن العمالة السائبة. هذه الظاهرة مكثت كثيراً وآن الأوان حتى لا يكون لها حضور يقلق أمننا وراحتنا ويعرض أطفالنا للكثير من المخاطر والحوادث التي كان سبب كثير منها عمالة غالباً ما تكون سائبة. [email protected]