الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

عناء وعطاء

بجوار بيوتنا أو ما بينها أو ربما تبعد قليلاً أو قد تكون في نقاط على حواف محيطنا الذي نعيش فيه، تكمن بيوت يأسرها الألم، تلمع بجوفها الدموع، تتنهد فيها الأمهات تارة، وتارة تشهق، تحترق صدور الآباء حزناً وأسى على فلذات أكبادهم، على ذرّات أحشائهم، على أحباب الله الأبرياء الأنقياء. صغار.. بأعينهم الكسيرة، وأوقاتهم المريرة، تمضي دقائق أحبارهم على صفحة العمر، تلك الأحبار التي فاحت صبراً وصفاء. فبعجزهم الذي يتفاوت فيما بينهم والمسطّر في كتاب حياتهم، ترسم جباههم للحياة معنى آخر تستشعره القلوب فترقّ على حروفه الذاوية، فهنا طفلٌ معاق، وهناك صبيٌ عاجز، وهناك من يسري فيها ضمور الأعصاب الذي شلّ حركتها، وآخر طغى الضمور على خلايا مخه، وغيرهم من لا يعلم ولم يحس بمعاناتهم ومعاناة ذويهم المؤلمة والمعتصرة حناجرهم وأفئدتهم الكثير من الناس. يكبر الصغير ليصل إلى عمر الكتابة والقراءة، ليصل إلى المحطة التي تستقبل أقرانه الأسوياء، ومن هم مثله في عمر الزهور بكل ترحاب، ولكن هو أو هي ينتظران من يستقبلهما بعطف ويحن عليهما. فاطمة محمد أحمد أم تعاني ابنتها البكر ريم ضموراً في خلايا المخ منذ ولادتها، فبإصرار هذه الأم المحبة لابنتها وبعزيمتها القوية قامت بشراء مركز خاص لتأهيل ورعاية المعاقين، وذلك رغم مادياتها الضعيفة والإمكانات المحدودة، لكنها الإنجازات العظيمة التي لا تصنعها إلا القلوب العظيمة. فبعد رفض المدارس الحكومية استقبال ابنتها، قرّرت هذه الأم قراراً حطّم القيود وفكّ الباب المسدود، بل عمّ خير هذا القرار النابع من القلب أطفالاً قدّم لهم الرعاية والتأهيل، وصارت أسر مواطنة ومقيمة تلحق أبناءها بالمركز الذي أصبح الوحيد من نوعه في إمارة رأس الخيمة. وعلى الرغم من اقتحام هذه الأم مجالاً ليس من تخصصها إلا أنها نجحت في تأهيل فلذة كبدها حتى دمجتها من بعد بتلك المدارس. قدمت هذه الأم تضحية جليلة وكبيرة، فبتضحيتها هذه أدخلت السعادة في قلوب أسر كانت تحلم بدمج أبنائها في المدارس، ومع الرسوم الرمزية التي وضعتها إلا أن شح الموارد ما زال يقف عائقاً أمام تطوير مرافق المركز وتكامله، خصوصاً مجال العلاج الطبيعي والعاملين. ولكن لا يزال التفاؤل والإصرار على إكمال رسالتها السامية متربعاً في هاجسها، وأخيراً.. يبقى للتضحية عناء، وروحٌ تهوى العطاء، وشكراً لهذه الأم المعطاءة. [email protected]
#بلا_حدود