الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

ظاهرة التظاهر بالغباء

قد يتظاهر فطِنٌ بالغباء لمجرد أنه وجد نفسه في محيط يعج بالأغبياء والتافهين والسطحيين، لئلا يشعر بكونه نكرة بين التافهين، وليشعر عوضاً عن ذلك بكونه جزءاً أصيلاً من هذا التجمع الغبي، وبعبارة أخرى ليظفر بالقبول من قِبل هؤلاء الغوغاء، وهنا أتساءل: أليست صفقة خاسرة بكل المقاييس؟ أليس الانسحاب من هذه الأوساط، غير مأسوف عليه، وأسهل وأفضل وأحفظ للكرامة والكبرياء؟ ولما لا يبحث عن محيط أكثر جديّة وتناسباً مع حقيقته الراقية؟ وهنا لست بصدد الحديث عن التظاهر بالغباء المندرج تحت فنون الذكاء الاجتماعي الذي أراه حاجة مُلحة لا مناص من اللجوء إليه في مواقف معينة، وتلك حكاية أخرى، لكني أتحدث هنا عن كون التظاهر بالغباء نهجاً وأسلوب حياة لا بد أن ينتهي بأصحابه في فخ خسارة الذات لا محالة. يظل الكثير أعواماً طويلة، وقد تصل إلى عمر بأكمله، متمسكين بجمع من الرعاع، ومتنازلين عن حماس مشتعل وأفكار متفردة وآراء قيمة ومواهب فذّة وقيم دفينة في داخلهم تتوسل إليهم أن يفصحوا عنها ويمنحوها قبساً من ضياء، إلا أنهم يصرون على طمسها مخافة استهزاء التافهين وسخرية الغوغائيين. إن نظرة متفحِّصةً متأمِّلة تكفي لإرجاء هذه الظاهرة إلى نقص الثقة بالنفس، جهل الذات، استحقارها وعدم تقدير ملكاتها، ويؤسفني أن أضيف بُغض الذات والعجز عن احتوائها، ولا أقبح وأصعب من أن يكره المرء نفسه. تحضرني هنا حكاية مستفزة عن شاب اختار التنكر في هيئة شاب أحمق يحرص كل الحرص على إخفاء علاماته العالية عن أصدقائه لكيلا يسخروا من مستواه الدراسي الممتاز، فإذا به بعد سنين مديدة يخترق الشرنقة مرتقياً بذاته وحاصداً شهادة تلو شهادة ليغدو أستاذاً جامعياً استثنائياً. أؤمن إيماناً أعمى أن الفوز بالذات والارتقاء بها من أهم وأبلغ مقتضيات الحياة، وإذا كان الانشقاق عن ثلة سطحية هزلية بائسة سيؤدي إلى هذا الفوز فأهلاً به وما أعظمه من انشقاق! [email protected]
#بلا_حدود