السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

التميز لا يحتاج قلباً رحيماً .. بل عقلاً يرعاه

في خضم الأحداث وتسارعها من حولنا، وانعكاساتها بشكل أو بآخر على كل منا، علينا أن نقر بأننا لا نعطي المساحة الكافية في وسائل الإعلام على اختلافها لمناقشة مشكلات ذوي الاحتياجات الخاصة، على الرغم من أن عددهم ليس بالهين في كل دولة من دول المنطقة. ففي مصر وحدها بلغ العدد ما يقرب 13 مليوناً، وهو رقم مثير للأشجان في حد ذاته. وبالنسبة والتناسب مع تعداد السكان في كل بلد، لن نجد المؤشرات سوف تبعدنا عن مصر كثيراً. فأين نحن من مشكلاتهم شديدة الخصوصية بل والمعاناة التي يعانيها ذووهم كي يوفروا لهم الحد الأدنى من متطلبات حياتهم بحسب ظروف وإعاقة كل منهم حتى يندمجوا في الحد الأدنى في الحياة التي تدور من حولهم؟ الانتخابات البرلمانية المصرية على الأبواب، وللمرة الأولى سوف يتم تمثيل ذوي الإعاقة بثمانية مقاعد، وجميعهم على القوائم تسهيلاً لهم حيث إن الترشح بشكل فردي في مثل هذه الانتخابات له طقوسه التي لن يتمكن منها هؤلاء. ولكن هل يعني مثل هذا التمثيل أننا قد بدأنا بالفعل نلتفت بشكل جدي لهم، وأننا سوف نفسح المجال في داخلنا للتعرف وتفهم معاناتهم؟ فكل خطوة جيدة في أي بلد من بلدان العالم لو لم تتوج بخطوات كثيرة تصقلها وتفعلها، فلا جدوى منها ولا معنى للقوانين أو النصوص الدستورية من الأساس، وبالتالي لا يوجد أي فائدة من استعراض المشكلات لو لم يكن في داخلنا رغبة حقيقية لحلها. المعنى الكبير الذي يكمن خلف إتاحة الفرصة للترشح، يتجسد في أننا لابد وأن ننسى عبارات كثيرة كلما استعرضنا مشكلات ملايين من المواطنين في منطقتنا، وفي مقدمتها الزج بمناشدة ذوي القلوب الرحيمة. فمشاكل ذوي الاحتياجات الخاصة من المستحيل أن تحل في أي بلد بنفس فلسفة (اكفل قرية أو اكفل يتيماً) بل ينبغي أن تتبناها مؤسسات الدولة جميعها من دون استثناء، فنحن نتحدث عن مواطنين من الدرجة الأولى ينتمون إلى هذه البلاد، وبالتالي فإن حقوقهم ممتدة ومتشعبة مثلهم مثل الجميع. الحق في تلقي الرعاية الطيبة، والتعليم، والعمل، والاندماج في المجتمع من خلال تهيئة أفراده جميعاً على كيفية التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، واحتضان طاقات لا حد لها يمتلكها عدد هائل من أبناء الشعب، بكل ما يستتبع هذا من أمور تمهد للحركة والتعامل والتواصل بشكل تلقائي، هي التزامات ملقاة على عاتق الدولة وليس ذوي القلوب الرحيمة. وفي حال كان التحرك لتحقيق كل هذا وأكثر بطبيعة الحال يجب على الجميع المشاركة والمساهمة، ولكن ليس من قبيل فعل الخير، بل بدافع الواجب وحب الوطن الذي لابد وأن يتسع ويستوعب الجميع من دون استثناء. بعض الدول العربية تتحرك في اتجاه محاولة توفير السبل الملائمة لذوي الاحتياجات الخاصة التي تمكنهم من العيش بشكل سلس، والبعض يحاول بقدر لا يتلاءم وحجم المشكلة ولكنها تبقى محاولات على أية حال. ولكن في المقابل هناك حالة لا إنسانية في مجتمعاتنا، تتعامل معهم إما بشكل غير لائق بالكامل، أو بشكل مملوء بالشفقة والمغالاة في إظهار التعاطف، مما يسبب جرحاً غائراً في الحالتين في أعماقهم. أين المواهب الفذة منهم، نراها غالباً فقط في الألعاب الرياضية، بينما المواهب الفنية والذهنية والقدرة على الابتكار لا نعرف عنها أي شيء تقريباً. إن تبني التفوق والتميز لا يحتاج إلى قلب رحيم يرعاه، بل إلى عقل راجح يعرف كيف يوظفه ويمنح صاحبه حقه وهذا هو ما نفتقده في أولوياتنا.
#بلا_حدود