السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

«مسكين سلوم»

أرسلت الأم ابنها الأهبل «سلوم» ببعض النقود إلى السوق ليشتري زوجَ حمام. خرج ابنها الوحيد المسكين من بيته ليفاجئه قدره في الشارع. حيث صدمته سيارة مسرعة. يموت «سلوم» جراء الحادثة الأليمة في طريقه للمستشفى، فتحفظ جثته المشوهة الملامح في المشرحة ريثما تأتي العائلة للتعرف عليها واستلامها. عن رحلة الذهاب إلى المستشفى والتعرف على الجثة واستلامها ودفنها ومشاعر النساء اللواتي خلفهن سلوم وراءه، تحكي قصة (في المشرحة) للقاص الإماراتي (محمد المر). بين ذهول وبكاء وحزن تهرع الأم والأختان والخالة والحبيبة وقد أصابتهن الصدمة لفقد وحيدهن، صحيح أن سلوم رجل أهبل، لكنه وحيد العائلة، ماذا تفعل النساء من بعده، لن يكون هناك حسّ رجل في البيت وتلك أعظم مصيبة تبتلى بها النساء. وخصوصاً أن الأم هي من أعطته النقود وأرسلته إلى حتفه. ليتني لم أفعل أنا القاتلة أنا المجرمة لو لم أعطه النقود لما خرج من البيت.. تقول الأم. وما إن تدخل النساء إلى المشرحة ويرين التشوه الكبير الذي طمس ملامحه؛ إلا وينهرن بكاءً وحسرة ويجمعن على أنه سلوم. فتخرج الأسرة لإتمام عملية الدفن والحزن يلفهن لفاً وكل واحدة تحاول تخفيف الحسرة والألم عن الأخرى. ومع انتهاء الدفن ينطلق العنان لخيال الشخصيات وما سيحققه موت سلوم لهن من مكاسب وإنجازات.. سلوم غني وبموته سيرثن الكثير، حتى الثروة المقسمة بينهن ستكفي كل واحدة منهن لأن تحقق ما تصبو إليه. ستحتفل الأخت الكبيرة بعيد ميلاد ابنتها في أحد الفنادق الكبيرة وستشتري سيارة لابنها وعقداً تحلم به منذ زمن لنفسها!! أما الأخت الصغيرة فتترك المدرسة وتتزوج، ما حاجتها للشهادة وقد أصبحت ثرية بموت أخيها، أما الخالة ستشتري بقرتين، لن تبخل عليها أختها بثمن البقرتين خصوصاً بعد أن فقدت ابنها لابد ستكون رقيقة المشاعر.. مسكين سلوم.. بهذه الجملة واللازمة الساخرة المتكررة على الأفواه.. تختتم كل واحدة منهن أحلامها واحتفالها بموت سلوم..! انزاحت الحجرة من طريقهن، وأزاحت معها الأقنعة لتكشف عن خواء النفوس والمآسي التي دمرت روح الإنسان في هذا الزمن الذي يسلب الميت حقه في الحزن عليه، حتى البكاء صار زيفاً وخداعاً..! المشاعر جافة والقيم عديمة والإنسانية في بئر سحيقة، والصورة قاتمة وخطيرة ومفزعة. الحياة المادية طمست كل ملامح الإنسانية وجردت الإنسان من كل مبادئه وقيمه وتركته بأقنعة مشوهة لا تلبث أن تزول بسرعة، إنه ملون كالحرباء، يلبس ألف قناع وقناع ليصل إلى مآربه، الميت يرحمه الله وكما تقول العامة (الحي أبقى من الميت) أما المشاعر الحقيقية فسلام عليها وعلى المسكين سلوم السلام. رحلة العودة إلى البيت من المقبرة، كانت كافية لإتمام المخططات واكتمالها، وتبعثرها وانهيارها بل وتبخر الأحلام كلها وزوالها أيضاً. فما إن تطأ أقدامهن عتبة الحديقة إلا وتكون الصدمة لرؤية سلوم الأهبل مبتسماً أمام وجوههن، حاملاً زوج الحمام الذي خرج لشرائه صباحاً..! ما أكثر تلك الحوادث التي يدفن فيها الناس أحبائهم فيعودون ليجدوهم في البيت بانتظارهم..! تذكرني القصة بحادثة شبيهة لرجل تعرفت أسرته على جثته وفي لحظة وداع الجثمان ظهر من بين الجموع قائلاً أنا هنا لست ميتاً.. في هذه الحادثة يهرع الجميع خوفاً منه، كما ستهرع النساء في قصة المر خوفاً من رؤية سلوم الأهبل.. لكن ما المخيف في عودة الأحباء والمفقودين من الموت؟ أهي الأحلام التي تتبدد بعودتهم؟ هل هي الأماني التي تنهار لرؤيتهم؟! من يريد أحلاماً مبنية على موت الأحباء؟! هل هناك شعور أكثر روعة من أن يخبروا أماً بموت ابنها ثم يظهر أمامها حياً؟ أن يقولوا لأب ابنك مات فيلتفت ليجده واقفاً خلفه..؟ هل هناك هدية أجمل من أن تفجع حبيبة بفقد حبيبها فتجده خلفها يحضنها ويقول أنا هنا لا تحزني..؟ لا نريد أحلاماً.. عودتهم هي العوض! [email protected]
#بلا_حدود