الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

شيء من الإخلاص يحقق الخلاص

«من شاهد في إخلاصه الإخلاص، فإن إخلاصه يحتاج إلى إخلاص» عبارة قرأتها، حرضتني على الوقوف عندها، ومن ثم تأملها، تأمل الإخلاص، وأنا على معرفة أن الإخلاص لله سبحانه: ترك الرياء، وهو إذاً نية وعمل، حيث يكون الإنسان رقيباً على عمله، رقيباً على نفسه يحاسبها فلا يهملها، أو يغيب عنها ويتغافل، ذلك لأن الإخلاص خلق وفطرة وعقيدة، يراه الإسلام عملاً من أعمال القلوب. وفي مقدمة الأعمال التي لا تقبل إلا به، الإخلاص. «حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه عن مكحول أن من أخلص لله أربعين يوماً، تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يوماً، فلم يتفجر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين، فقال لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص لله تعالى». أما سقراط، فيبين لنا تاريخ الفلسفة بشكل جلي فناء وذوبان سقراط في المجتمع اليوناني، يبين الإخلاص والوفاء الذي كان يتصف به الفيلسوف تجاه المدينة الإغريقية. لقد شارك في ثلاثة حروب دفاعاً عن الوطن. وأبان خلال المعارك التي خاضها عن شجاعة نادرة. ثم إنه إضافة إلى هذا العمل التطوعي الدفاعي، كرّس كل حياته، ووظف كل جهوده الفكرية من أجل تربية الإنسان الأثيني، تربية تؤهّله لتدبير شؤونه والرقي بمجتمعه وقيمه. لكن على ما يبدو أن كل هذا الوفاء والتضحية والإخلاص لم يؤدِّ إلى أن تكون علاقة الفيلسوف بالمدينة الديمقراطية علاقة انسجام وتآلف. فهي لم تعترف به وبتضحياته، لهذا وجدناها تصدر في حقه أقصى عقوبة في تاريخ الديمقراطية الأثينية. وحسب تعبير «بورخيس»، فإن الكتابة إخلاص للمخيلة. يقول جعفر الجمري «إخلاص يكون على تماسٍّ تام مع المراد له أن يكون مُقصى ومركوناً هناك في المُعتم من الأمكنة والزمن». بورخيس نفسه ظل أكثر وفاء وإخلاصاً وقدرة على استنطاق مخيلته وبصيرته، على الرغم من عتمته التي ظلت في الذروة من حساسية انتباهها وحضورها وقدرتها على التقاط العَصيّ على الرؤية. الكتابة رؤية، والمخيلة ما بعد تلك الرؤية بمراحل. مراحل المباشر منها والتفاصيل. محاولة لتخريب الكاذب والزائف من الاستقرار والنهائي والحاسم، وإحراج أكيد للمفتعل من اليقين. ندرة الإخلاص للمخيلة، هو ما يجعل الكتابة اليوم تعيد إنتاج أزماتها بصورة أو بأخرى، وهو ما يجعلها باردة وملفقة ومصطنعة. والكتابة في الوقت نفسه، فسحة أخرى كي تعبّر تلك المخيّلة عن قدرتها وأمدائها المخبوءة. مراناً لها وتحفيزاً يحول دون ضمورها وشيخوختها. وفي القص والأسطورة كانت «إيزيس» رمز إخلاص المرأة للرجل، وهناك رموز كثيرة للإخلاص الذي نتج عنه الخلاص.
#بلا_حدود