الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

بدائل للتخريب

إما أنا أو الخراب، وليس في الإمكان أفضل مما كان، كلها شعارات رفعها الطغاة وروجوا لها أيام بدأت الثورات وقد نفذوها بعناية فائقة. دائماً ما يكرر أعداء النهوض والحرية أو أولئك الذين يجهلون الحقائق وتفاصيل الواقع بأن الشعوب العربية التي انتفضت ضد أنظمتها الفاشية قد استعجلت وكان عليها أن تتأنى قليلاً قبل أن تتورط بما لا تجيده ولا تتقنه. هذا كلام يحمل قدراً من الصحة في جانب لكنه مجحف ومجانب للصواب في جوانب أخرى. الحقيقة أن الثورات كانت ردود فعل استجابة لمثيرات كثيرة كان أهمها الاستبداد والعنف والتردي الاقتصادي والإحساس بالظلم والخوف من مستقبل معالمه غير واضحة، لكن هل كان من الممكن أن تكون هناك بدائل سياسية حقيقية تعفي تلك الشعوب من التورط والتوهان في نفق الحروب الأهلية الدائرة التي ابتدأت كثورات بريئة؟ وهل تركت تلك الأنظمة بالأصل أي هامش ولو كان ضئيلاً لحياة سياسية وحزبية يمكنها أن تشكل البديل تحسباً لنشوب اقتتال شوارعي فيما بعد؟ وهل كانت تلوح أية إشارة واحدة على أن نظام القذافي أو الأسد أو علي صالح قد خلفوا وراءهم بدائل معتبرة تقوم مقامهم في حال رحلوا وتغيرت الأنظمة برغبة شعبية؟ طبعاً لا يوجد، ولهذا كان الخراب والنهايات الشنيعة المفزعة. الخراب لم يأتِ لأن الأنظمة كانت تجيد السيطرة ومن دونها لا تملك الشعوب مفاتيح السيطرة على الوضع، بل لأن تلك الأنظمة لم تؤسس للبدائل الصالحة أصلاً عندما كانت تتحكم بالأمور، وعوضاً عن ذلك أهدت تلك الشعوب ما يدعم وعيدها لها بالدمار الممنهج. ظهرت الجماعات المتطرفة أكثر تطرفاً مما كانت عليه في نماذجها القديمة، وشكلت كابوساً لكل مطالب بالحرية والديمقراطية والمساواة، وبرعاية تلك الأنظمة، تنفيذاً لتهديداتها بالبدائل التي لا تسر. ترعرعت الأصولية ونمت وأرست دعائمها في تلك المناطق ثم اجتذبت الصغار المغرر بهم من قبل وعاظ الفتن من أبناء المنطقة ومن خارج حدود المنطقة لتشكل ضغطاً رهيباً على الأهالي الذين أشعلوا جذوة الثورات. هنا شعر الأهالي بالذنب واستبد بهم القهر وأحسوا بالخيبة جراء النتائج غير المحسوبة. توقعوا أن يقدموا المستحيل وظنوا أن الطريق وإن طال بهم لابد له من نهاية ترضيهم لكنهم اصطدموا بالواقع المر، وبعضهم تمنى أن يعود به الحال لوضعه السابق، وهناك من هاجر وترك وراءه كل حلم لم يكتمل. نعم لم يكن ممكناً تجاوز هذه الأنظمة المتسلطة المستبدة لعقود طويلة بسهولة وبضغطة زر، وكان لابد من تقديم تضحيات كثيرة لكن لم يكن متوقعاً لها أن تصل لهذا الشكل وهذا المنحى الخطير الذي حولها لحروب أهلية وجر الناس كي تفتك ببعضها البعض بهذه الوحشية المنفرة، هل هو ذنبهم أم ذنب الطغاة؟ وهل يعني هذا أن تسكت الشعوب وتصبر وتحرقها نار الانتظار تحت تحكم الطغاة حتى تحين الفرصة لثورات نظيفة؟ وكم كان سيستمر هذا الانتظار؟
#بلا_حدود