الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

مرايا مكسورة

كتبت منذ فترة قريبة: الأشياء الصغيرة جداً والاعتيادية إلى درجة أنك لا تفكر بها .. تصبح مدعاة للتقييم عندما تنتبه أنها الغاية القصوى في حياة موازية. كنت حينها أتأمل ذلك الحوار شبه السريع الذي جمعني مع علياء، وهي تحدثني عن معنى أن يكون الليل كمثل الهوة التي يخرج منها الخوف بكل صوره. هي الأم البصراوية الشابة التي تزورنا في أسابيع خاطفة لبعض متطلبات العمل .. قالت لي حينها: وصلت في تمام السابعة .. والعتمة في أولها، كنت وحيدة ومرعوبة من الطريق إلى أن وصلت لمحل إقامتي، وجدتني عندها أستفسر منها عن سبب هذا الخوف .. لتجيبني: هناك نخاف العتمة .. فهي الساحة المعنوية للصراعات المستعرة، حيث تغدر الخصوم المتطاحنة ببعضها، وقد نسقط نحن الذين يسول لنا سوء حظنا أن نوجد في اللحظة الخاطئة، وفي الوقت والمكان الخاطئين أن ندهس في المنتصف .. أسألها عن معنى الخصوم، فتروي لي عن تلك الصورة العبثية المتكررة بشكل مؤلم في قرية مجاورة، حيث ينفجر قلب القرية عن طريقين للتهجير، حيث تتقاتل الأقليات بدعوى الدفاع الفارغ عن النفس. تبتسم هي بمرارة على المفارقة .. وأصمت أنا .. وأنا أحاول إعادة تقييم معنى الليل بداخلي، فهو مساحة للتأمل، تمشية وحيدة أحياناً لمحاولة التركيز على فكرة، أو انزواء في مقهى مكتظ، حيث أتابع الوجوه وأدونها في محاولة للكتابة، ليلي هو مجموعة من المحاولات التي لا يتخللها أدنى شعور بالخوف أو التوجس إلى درجة الرجفة التي حكت عنها علياء. هاجس الهوية يكون مضاعفاً بمقدار عشرة أو يزيد على سبيل المثال لدى الأقليات .. الخائفة من خطر التلاشي .. وهي عندما تقاتل فإنها تقاتل هاجس الاضمحلال ذاك.. لكن ماذا يحدث عندما تتفرع الأقلية عن أقلية تشترك معها في ذات الهوية المركزية، وتختلف في بعض الرتوش؟ .. ماذا عن ذلك الانفجار المكتوم .. النزيف الداخلي .. عندما تبتر الأقلية أعضائها بنفسها؟.. عن أي شيء تدافع ولأي عبث تتجه؟ قدم حازم صاغية في مقال حمل عنوان مرض الأكثرية والأقليات الشامل تشريحاً في سيكولوجية الأكثريات التي تضطهد الأقليات .. والأقليات التي تمارس ذات النهج تجاه الجماعات الأقل منها وهكذا تباعاً .. وانتهى في ذلك إلى أن الفكرة الكامنة هي مرض الكراهية المركزي .. الجمعي .. الذي تتشارك فيه جميع فئات المجتمعات تلك، على حد سواء، مهما بلغ عدد المنتمين إليها .. إن النسيج الجمعي القسري أفرز خلف تناغمه الزائف العديد من المرايا المكسورة التي يواجه بها كل طرف الآخر فلا تعكس إلا صوراً مشوهه عن بعضهم للبعض الآخر، لا أرى فيما ترويه علياء هنا مثالاً حياً على ذلك. أقلق كثيراً، بل أرتعب من هذه الهشاشة المستفحلة حول تلك الوجوه القاسية للطوائف المتطاحنة، لأنها لا تفرز إلا الخوف من تلك القوة الزائفة المعتدة بمركزيتها الضعيفة، والتي تظن أنها نالت معها حريتها أخيراً لتفتك بالآخر .. فهي تظن أنها تخلصت من خوفها .. لكنها في ذلك تظهر كالقنفذ الذي يتقوقع في درعه الشوكي مرتجفاً من كل ما يحيط به، أو كمجموعة من الخلايا المسرطنة التي تفتك بجسد واحد .. فإذا بها مع قضائها عليه بانتصارها المدمر ذاك، تدمر حاضنها الأول فتفنى. بقدر مخاوفك تتعاظم هشاشتك، لكن كيف يكون الأمر إذا ما أصبح الخوف أسلوب حياة؟ .. ما جدوى فهم الهشاشة، وأنت لم تحاول أساساً أن تختبر فكرة الجذع القوي الوادع؟ فالجموع تخاف من بعضها، وتخاف معها أنت .. تخاف من فكرة الاستفحال الأفقي الذي يمعن في تضخيم فوارق الهوية التي تصنع النكهة الحية للمجاميع البشرية .. وأعني بذلك التضخيم صناعة الغيلان الورقية من أي طرف آخر مختلف لأي سبب، هذه الهشاشة التي تفرز أبشع الصور العبثية لمفارقات الحياة .. لتفتش في خضم ذلك الرعب المستعر عن شخص تحبه، صوت تحبه، شيء تحبه، مذاق تحبه، مستقبل تشتهيه، فلا تجد إلا الخرائب الدامية، وجذعك المرتجف. [email protected]
#بلا_حدود