الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

إلا الأطفال

زرع الخرافات والفكر الأصولي في أذهان الأطفال برأيي جريمة أخطر من القتل، يكبر الأطفال بحصيلة مروعة منها حتى يعتادوا تقديس الجهل والدفاع عنه بأبشع الطرق وخلق مجتمعات أخرى مريضة يتراكم فيها الجهل جيلاً بعد جيل فيصعب اقتلاعه وعلاجه. وسيتطلب الأمر استنزافاً لا يطاق والكثير من التضحيات والمواجهات الباهظة في شكلها الخارجي إلى درجة اختيار تفاديها مهما كانت تستحق في مضمونها ومهما وعدت بأن تحمل الكثير من الانتصارات. لكن هل يصعب استثناء الأطفال اليوم على الأقل من هذا الجنون الذي يجري في العالم العربي على وجه الخصوص تارة باسم الدين وتارة باسم الطائفية والحزب وأخرى باسم القوميات، لن نستشرف من تضمينهم بداخل هذه الصورة المؤسفة غير عصور من الإرهاب والانحطاط ونسخ مكررة من عالمنا الحالي، حين يتم حشو الأطفال بأبجديات العنف والاحتقار للآخر وللمرأة وتمجيد كل ما حسبناه قد انقضى من روح الجاهلية فإذا به يستمر ويخلد ويتم توثيق المقاطع والصور لهم بعد تعليمهم كيفية حمل السلاح ولذة قهر الآخر والتلويح بشعارات عنصرية أو ترديد خطابات وتهديدات لفئات بعينها لا يعون معناها في الوقت الحالي. سترسخ هذه الكيفيات في أذهانهم وتكبر معهم حتى تصير أسلوب حياة ثابت ينتقل بالتوارث إلى غيرهم في حلقة شيطانية مفرغة يتم فيها القضاء على الآخر وانتقاصه ونفيه أو كراهيته، ولن تقتصر بالأصل نوعيات الضحايا على المختلف دائماً، فالتاريخ يعلمنا أن كل محاولات تصفية معسكر الأعداء ترتد في النهاية على أصحابها من معسكر الأصدقاء وتلتف الدائرة حول أعناقهم ليكونوا حطباً لها، الأصوليات والفاشيات مهما ظلت تمشي على أعناق الآخرين سيحين دورها هي، وستلتهم بعضها حتماً إن لم تجد ما تأكله. هل يا ترى يعي الأب الذي يرفع طفل الخمس سنوات على كتفيه فيما يلوح بشعار حزب معين وينطلق بالسباب العلني الذي يعاقب عليه القانون في الدول المتحضرة لأي جيل يربي بالفعل؟ أو هل يدرك المعلم الذي يمزق صورة طفلة السبع سنوات أمام طلابه الصغار بداعي محاربة التغريب لأي مشروع يؤسس؟ أو هل يستوعب من يجمع حوله الأطفال لتدريبهم على فك السلاح وتركيبه لأي جريمة يحضّر؟ من واجب المسؤولين ومؤسسات المجتمع المدني العربية إقامة ندوات حوارية توعوية تبين خطر التعصب والجهل والكراهية وتجريم نقل هذه الأمراض للأطفال، من الواجب تعويدهم على التسامح ورفض الأذية للمختلف وإشاعة الحوارات والفلسفة والمعرفة والتفكير العلمي الناقد، لا أن يتم تغذية الأطفال على الجهالات وتكريس الخرافة بداخلهم وقمع التفكير الحر وتوريث الأيدولوجيات لعقولهم الصغيرة والتعصب الأحقاد وكل تلك الضغائن المتعلقة بالأديان والأعراق والجنس والمذاهب والأحزاب، هذه دعوة من أجل العمل على تغيير الفكر الاجتماعي السائد أو على الأقل عزل الأطفال عن هذا الفكر وموارده كي لا يكرروا الخطأ الذي وقعنا به، أو لعل من سبقونا أوقعونا به.
#بلا_حدود