الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

أردوغان بائع البطيخ الناجح .. هل بدأ الفشل؟

تجمّع الغضب كله في كلمة أردوغان في الأمم المتحدة لينصب على مصر، تحدّث عنها وداعميها بأسلوب يتجاوز العبارات إلى الإحساس بها، صرخ بحنق وغضب والتهاب، كقضية تؤذيه في أعماقه، وتجرح كبرياءه، تكشف ما يود أن يستره، كانت كلماته كلها خارج اللباقة واللياقة والأدب، واستنكاره وتشكيكه في شرعية أثبت العالم كله وجودها، يؤشّر لمؤشر خطير، أن الرئيس «الذي عدل الدستور ليصبح رئيساً بصلاحيات واسعة وليحكم تركيا لأكثر من عشرة أعوام»، يمر بمنعطف خطير، ما قاله أكبر من مجرد هرطقات يقولها رئيس بل هي بداية النهاية، لقامع تقسيم ومشرد الأكراد. قبل أشهر، مر رجب طيب أردوغان بأكبر فضيحة تواجهه منذ أن دخل المعترك السياسي، تتمثل في اتهامات الفساد التي دخلت حتى بيته وأسرته، ولكنه، كما أخبرني خبير تركي، استفاد في التعاطي معها، من طفولته التي قضاها في أفقر أحياء تركيا وأكثرها صرامة وضيقاً وبلطجة، تلك الأحياء التي يتحوّل الطفل فيها إلى كتلة من التعصب ليحمي نفسه، وبالفعل يسير أردوغان منذ سنوات في تصاعد غضب مدمر، لا يعكس شيئاً إلا إحساس الأزمة الذي يكتنزه داخل نفسه، والخوف العميق، والعميق جداً، ذلك الخوف الذي لا يدثره إلا الصراخ. صحيح للوهلة الأولى الشعب التركي يحب الرجل القوي، ولكن بطول المدة يتحول الرجل إلى ديكتاتور متسلّط يرفض أن يرى من هو أمامه أو من ينتقده، فالرجل أقصى شيخه أربكان، وعادى أستاذه فتح الله جولن، وطعن صديقه غول، هو لن يرضى أن يكون أحد أمامه، ليس في تركيا بل في العالم السني، وفي العالم كله، وللأسف ليس لديه سبيل سوى الصراخ! في مبنى الأمم المتحدة، الحريّ بالدول أن تتحدث عن القضايا بأسلوب معرفي محترم، وأن تقدم رؤاها دون أن تكسر الخطوط الحمراء، وبأدب دبلوماسي معهود، على سبيل المثال تحدث سمو الشيخ عبدالله بن زايد عن موقف بلادنا وقلقها من «أشكال التطرف والإرهاب والتفتيت الطائفي، والذي بات يشكل تهديداً خطيراً على الأمن والسلم الدوليين»، وشرح فلسفة بلاده ومصادر القلق، تحدث عن ليبيا مثلاً فقال «تشعر دولة الإمارات بالقلق إزاء تدهور الأوضاع الأمنية وتداعيات ذلك على استقرار الدول المجاورة، وتعارض بشدة سلوك الجماعات الإرهابية التي تقوض عمل المؤسسات المنتخبة شرعياً من قبل الشعب الليبي الشقيق. وتقوم سياسة دولة الإمارات على الدعم الكامل للشرعية التي قررها الشعب الليبي من خلال مجلس النواب المنتخب». هكذا بأسلوب فيه الحزم الكافي لإبداء وجهة نظره وبلاده، وعرض القضايا على أنها تهديد للأمن القومي، ولكن أردوغان يريد أن ينسف كل جهود مصر التي بذلت على مدى شهور، ولمز مصر ومن دعمها، فما كان من الإمارات إلا أن كانت له بالمرصاد، وأكرر ولم يقدم سوى الصراخ. في أيام العيد وجدت صورة لرباعي الإخوان وجدي غنيم وعصام تليمة وآخرين، في تركيا، وكنت قبلها بأيام قلت إنني أظن أن أردوغان يحذو حذو «الإخواني المصري» محمد مرسي، لأنه وبحماقة كبيرة، جمّع حوله الخصوم، فمن ناحية خصومه الإسلاميين القدامى الذين غدر بهم، وفتح الله كولن، وغيرهما، ولعل أردوغان الذي قال مرة «إنني في طفولتي لم أجد سوى أن أبيع البطيخ مع أبي وكنت ناجحاً في ذلك»، يحتاج هذه المرة إلى أن يدرك أن تعصبه وعلو صوته لم يعودا يفيان بالغرض، وأن تكون بليغاً أو منتخباً لا يعني لك حصانة ما دمت تعبث بالنار. يبني الإخوانجية ومحبو أردوغان هالتهم عليه من ملكته الخطابية، ومن يراقب خطاباتهم يدرك أنه تحوّل إلى «بقرة مقدسة» لا يقترب منها أحد، حتى وإن زوّج المثليين، وفي الحقيقة هو يذكرني بالنازي أدولف هتلر، فقد كان هتلر خطيباً بليغاً منذ طفولته، واستغل ظروفاً خاصة لبناء أسطورته عبر دعاية وبروباجاندا لا تختلف عما فعله «أردوغان»، وعلى ادعاء تفوق عرقي، مستغلاً ظروفاً اقتصادية صعبة، وجاء عبر الانتخابات، واستطاع أن يدير حركة الصناعة، ويحرّك شعبه كله، ويجرّ ألمانيا إلى «دمار»، والعالم إلى حرب عالمية راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر، بالرغم من كونه خطيباً بليغاً، تبرز عروقه تماماً مثل أردوغان، ولكن نهايته كانت الانتحار لأنه استفاق من وهمه المتطاول، وأنا أدرك أن أردوغان سيفيق. يحتاج الإخوان ومدرسة الإسلاميين أن يعودوا إلى الواقع، وأن يفهموا أن بناء الأوطان يحتاج لأكثر من كلمات في الهواء، وأن سياسة الأمم تحتاج أن يحافظ عليها بالدأب على توعيتها، وليس باستغلال شذاذ الآفاق كما قام البعض في العراق، وأنبت «داعش» وشرّبها فكر سيد قطب، وراح يصر على تسميتها الدولة الإسلامية، ويتاجر بها. إن الإمارات ومصر والسعودية، لن تسمح لأردوغان أن يصل لحلمه بزعامة الإسلام السني والحديث باسمه، ولن تسمح له بأن يصبح سلطاناً على أحد، ولن يسمح أحد له بأن يتطاول على مصر، ولن نمسك ألسنتنا عن الحديث عن قمع الصحافيين في تركيا وعن إغلاق مواقع التواصل، وعن قمع احتجاجات جيزي وتقسيم، ولا عن تقتيل الكرد، واضطهاد الأقليات، واستغلال الرحلات الرئاسية للانتقام من فتح الله غولن. إن حالة الغضب التي فاقت حدها والنرجسية التي جرحت، تشيان بأن بائع البطيخ «انتهى أوانه» وبدأ الفشل، وهو من يختار الترجل بكرامة، أو انتظار مصير مرسي، ويومها لن تجدي الخطابة ولا الغضب! [email protected]
#بلا_حدود