الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

خواطر حمار

يستهويني كثيراً شراء الكتب القديمة، وقد سعيت خلال السنوات الماضية إلى اقتناء عدد لا بأس به من تلك الكتب من عدد من البلدان، كان أحد تلك الكتب عنوانه «خواطر حمار»، اشتريته مرتين، في المرة الأولى كان بدون غلاف، ثم عثرت عليه قبل بضع سنين في معرض الشارقة الدولي للكتاب في مكتبة مصرية لكن بغلاف وبطبعة أحدث نسبياً. غلاف الكتاب يحمل صورة رأس حمار، وعنوانه هو «خواطر حمار»، وأسفل العنوان كُتِبَ وهي مذكرات فلسفية وأخلاقية (على لسان حمار) تأليف الكونتس دي سيجور الكاتبة الشهيرة، ترجمها عن اللغة الفرنسية حسين الجمل الكاتب العصري، إصدار المطبعة العصرية لصاحبها إلياس أنطوان إلياس، والكتاب من القطع الصغير ويحتوي على 175 صفحة، أوراقه صفراء يابسة تكاد تتكسر إذا ثنيت. يتكون الكتاب من قائمة بكتب تحت الطبع للمؤلف في الصفحة الأولى، ثم مقدمة الناشر، تليها مقدمة المترجم، التي يبدؤها بحديث عن الرفق بالحيوان ومكانته في الشرق وأسبقيته عندهم وحضارتهم المدنيّة، ثم يبين مكانة الحيوان وقدسيته عند المصريين القدماء، إلى أن يذكر السبق الذي يميز كاتبة هذا الكتاب من إنصاف هذا الحيوان بالذات. أما المؤلفة فقد بدأت الكتاب بإهداء على لسان الحمار يقول: «إلى سيدي الصغير هنري ... أنت يا سيدي الصغير كنت بي رحيماً، ولكنك كنت إذا ذكرت الحمير تحدثت عنها باحتقار لها جميعاً، فلأجل أن تعرف عن علم، حقيقة الحمير ويصدق حكمك عليها، كتبت هذه المذكرات وأهديتها إليك. وسترى، يا سيدي العزيز، كيف كنت أنا المسكين ورفاقي الحمير نعاني من الناس قسوة المعاملة، ثم تتحقق أن لنا نصيباً عظيماً من الذكاء وحظاً وافراً من المواهب الطيبة، وستعرف كيف أنني كنت شقياً في عهد حداثتي وكم كنت أجازى بالعقاب الشديد، ولكن الندم والتوبة والعمل بإخلاص وحب، كل ذلك أعاد إلي محبة رفقائي ورضا سادتي. فإذا فرغت من قراءة هذا الكتاب فإنك تنتهي إلى الحكم بأنه بدلاً من أن يقال (بليد كالحمار، جاهل كالحمار، عنيد كالحمار) يجب أن يقال (ذكي كالحمار، عالم كالحمار، متواضع كالحمار). ثم ترى بحق، أنت وقومك، أن هذه أوصاف صادقة، وأنها إذا اعتبرت مدائح فلم تكن عبثاً. هي هان (صوت الحمار وهو ينهق)! يا سيدي العزيز، إنني أتمنى لك أن لا تكون في النصف الأول من حياتك شبيهاً بخادمك المخلص. التوقيع: كديشون ـ الحمار العالم». وفي الصفحة الثالثة عنوان «خواطر حمار ـ فاتحة الكتاب»، يلي ذلك ثلاثة عشر باباً ثم الخاتمة، وقد احتوى الكتاب على العديد من الصور المعبِّرة، التي تظهر الحمار في مواقف مشرفة يستعرض فيها مهاراته وقدراته. الكتاب بحق جدير بالمطالعة، وقد لاحظت من خلال تصفحي له وقراءته أن من اقتناه لأول مرة اهتم بقراءته بعناية، قبل أن يؤول إلى باعة الأرصفة في سور الأزبكية بمصر المحروسة، كما أن ذلك القارئ كان حريصاً على أن ينهي قراءته في وقت قياسي، فلم يثنِ من صفحات الكتاب إلا صفحتين كمحطات توقف، أي إنه أتم قراءته في ثلاث ليالٍ على أكثر تقدير. أسئلة كثيرة دارت في خَلدي وأنا أقرأ ذلك الكتاب، كيف .. متى .. لماذا .. هل؟؟ لكنه كتاب جميل وكفى. [email protected]
#بلا_حدود