السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

أيادي الأمهات

 في طفولتنا كنا نصحو من نومنا فزعين، فنهرول إلى أمهاتنا ونرتمي بأجسادنا الصغيرة في أحضانهن، فيهدأ روعنا، وتطمئن قلوبنا، ويتغير حالنا من حال إلى حال. كل ذلك بفضل اللـه أولاً، ومن ثم حنان الأمهات، فحضن الأم عالم قائم ذاته، وضع الخالق (عز وجل) فيه الكثير من أسراره، بحيث لا يستطيع أقوى البشر أن يمنح الطفل أمناً مثل ذلك الذي تمنحه إياه أمه. عندما تضع الأم يدها على جبين طفلها، وتتلو عليه ما تيسر لها من آي الذكر الحكيم، تنساب الراحة إلى روحه، ومتى ما تعافت الروح تماثل الجسد إلى الشفاء. وعندما ترفع الأم كفيها بالدعاء، تتفتح لها أبواب السماء، فليس هناك تضرع مثل تضرع الأم، وليس هناك إلحاح مثل إلحاح الأم. لهذا كله، كنت طوال عمري أثق برقية الأم أكثر من أي شخص آخر، مهما بلغ علمه وورعه، وصيته بين الناس. ومن بعد الأم يأتي الأقرب فالأقرب. سألني أحد الزملاء، إن كنت أعرف راقياً شرعياً ليقوم برقية زوجته، فسألته ممّ تشكو؟ فأخبرني بأنها تشكو صداعاً مزمناً وشعوراً عاماً بالإعياء. سألته إن كان عرضها على طبيب مختص، فأخبرني بأنه عرضها على طبيبة مختصة، ولم تستفد من الأدوية التي وصفتها لها، والآن هو يبحث عن راقٍ شرعي، لأنه يعتقد أن عيناً أصابتها. نصحته بأن يأخذها إلى المستشفى وأن يعرضها على أطباء أكثر اختصاصاً وخبرة، وأن يرقيها بنفسه، فهو أولى بها من الغريب، خصوصاً أنه قارئ للقرآن، وحافظ لبعض سوره. وآيات الرقية وأذكارها وأدعيتها في متناول الجميع، سواء عبر الكتيبات أو مواقع الإنترنت. استمع إلى كلامي على مضض، ثم مضى في طريقه، وعرفت بعد ذلك أنه وجد من يأخذه إلى راقٍ شهير في دولة أخرى تضرب له أكباد الإبل، وبلغ من تهافت الناس عليه أنه يضطر إلى رقية مجاميع المرضى عن طريق المايكروفون في وقت واحد. وعرفت أيضاً أنه عاد من عنده بخفي حنين، واضطر في النهاية لإدخالها إلى مستشفى حكومي كبير، وجدت فيه من العناية والاهتمام ما جعلها تتعافى (بفضل اللـه) خلال أيام قليلة. الغريب في الأمر، أن اللـه سبحانه وتعالى أخبرنا في أكثر من آية بأنه قريب منا، يسمع دعاءنا، ويستجيب إليه، ولكن الكثير منا للأسف، يصرون على البحث عن واسطة بينهم وبين خالقهم. كل الاحترام والتقدير للرقاة الثقات الصادقين في رقيتهم، والساعين إلى خدمة الناس، والمبتغين الثواب من وراء ذلك، ولكن للأسف الشديد، كثُر الدخلاء على مهنتهم، وأصبحوا في تزايد مستمر، خصوصاً أنها مهنة مربحة جداً لمن باع ضميره وتاجر بدينه. [email protected]
#بلا_حدود