الاحد - 19 سبتمبر 2021
الاحد - 19 سبتمبر 2021

اصنع لنفسك مجداً

هناك ظاهرة تشغل بالي منذ مدة طويلة، وشواهدها تتكرر أمامي بين الحين والآخر، ولكنني لم أتمكن من تكوين فكرة واضحة حولها إلا أخيراً، مع قرب موعد تقاعدي من العمل الرسمي حسب ما خططته لحياتي قبل سنوات. الظاهرة هي أن أغلب الموظفين، خصوصاً العاملين في القطاع الحكومي يرغبون في البقاء في أعمالهم، ولا يطيقون التفكير في التقاعد ولا يقدمون عليه إلا إذا أرغمتهم الظروف القاهرة، أو ألجأهم المرض والعجز. وقد يرضى ـ في سبيل البقاء ـ احتمال كل ألوان الظلم والجهد والامتهان في بعض الأحيان. ولديه قناعة أكيدة بأن التقاعد يعني له بداية النهاية لحياته كلها. فكما يقال «مت قاعداً». فمعها تبدأ مشاكل الاكتئاب ومسلسل الأمراض الذي لا ينتهي، وتتفاقم المشكلة إذا عرفنا أن تقاعد الزوج يسبب للزوجة نوعاً من الاكتئاب والتوتر يسمى «متلازمة الزوج المتقاعد»، بحسب ما أثبته باحثان من جامعة بادوفا الإيطالية. ومن جانب آخر، لا يجرؤ الموظف على ترك وظيفته لأنه يرى أنه غير قادر على البدء من جديد في عمل يحبه أو هواية قديمة يجددها أو علاقات تصرمت حبالها فيعيد فتلها من جديد. لذا يتشبث بوظيفته حتى الرمق الأخير، ولسان حاله يقول: «قديمك نديمك» و «الذي تعرفه خير من الذي لا تعرفه» و «خلك على مجنونك، لا يجيك إللي أجن منه»، وعندما أقول «الرمق الأخير» فأنا أقصد المعنى الحرفي للكلمة وليس المعنى المجازي. فكم من موظف مر علي في حياتي العملية ظل متشبثاً بتلابيب وظيفته، وهو يراوح بين مكتبه وغرفة العناية المركزة، كمن يمارس لعبة الكراسي الموسيقية، حتى خسر اللعبة في نهاية المطاف، وخرج من وظيفته إلى قبره، أو إلى التابوت الذي نقله إلى بلاده التي تغرب عنها سنوات طوال. والسبب كما يعرف أغلبنا راجع إلى صعوبة القبول بالتغيير لدى كبار السن، بل والدراسات تشير إلى أن اثنين في المئة من كبار السن يقبلون بالتغيير، والبقية تقاومه لأسباب كثيرة عادة ما نتناولها عند الحديث عن إدارة التغيير، ولكن ليس هذا مقامه. إلا أن الإضافة التي أزعم أنها جديدة نوعاً ما، هو أن الموظف الحكومي في المجمل يكون وقته مسخراً لإنجاز مهام محددة يتبرمج عليها سنة بعد أخرى. ومقدار التدريب الذي يحصل عليه هو بمقدار ما يساعده على تحسين أدائه لتلك الأعمال لا أكثر. أما التدريب على إبداع طرق أخرى أفضل لأداء المهام فهذا نادر جداً، وأما تعلم مهارات جديدة خارج إطار مهام عمله فأمر مستبعد، بل ويعتبره بعض المسؤولين ضرباً من الحرام، وهدراً للموارد، ولكن أليس هذا التوصيف مطابقاً لما تقوم به مزارع تسمين المواشي والدواجن؟ فهي لا تطعم الماشية من الأعلاف والأطعمة إلا بقدر ما يزيد وزنها، ويرفع سعرها عند ذبحها، وأنا أعتبر ذلك من السخرة المستترة. طحن أحلام الموظف ليس دائماً ذنب المؤسسات أو القيادات فحسب، بل ويشترك أكثر الموظفين في هذا، فلو كان الموظف واعياً لحقه في تعلم الجديد، وحاجته للتفكير خارج الصندوق، وضرورة امتلاكه لمهارات متنوعة، لطالب بها، وغالباً سيحصل على ما يريد، لكن المشكلة الرئيسة تكمن في الموظف ذاته، والحل يبدأ من وعيه بحجم المشكلة، وتغيير قناعاته وإقناعه بقبول التغيير، فالعالم مستعد لأن يفسح الطريق، ولكن للشخص الذي يعرف إلى أين يتجه، فلا أحد يمكنه أي يعطيك ما لا تعرف مدى حاجتك إليه. قبل أيام سألني باستغراب مدير في واحدة من المؤسسات الحكومية، عن سبب إقدامي على قرار التقاعد، ولم أبلغ بعد الخمسين من عمري، وكيف سأطيق قضاء بقية عمري بين جدران البيت؟ فابتسمت له، وأخبرته بأني قد عملت لهذا اليوم عشر سنوات كاملة، واجتهدت لإتقان مجموعة من المهارات التي تصنع لي شخصية مهنية واضحة المعالم ـ أو ما يسمى بـ Brand ـ وهي ما تجعل من التقاعد حياة جديدة، وانطلاقة مفعمة بالحماس في مجالات عمل أرحب، وأن الذي أخشاه حقاً هو أن أكتشف أن هذا القرار كان متأخراً بعض الشيء. ونصيحتي لمن يريد أن يتخلص من فوبيا التقاعد، ويجعل من حياته بعدها مغامرة ممتعة، فعليه أن يبدأ من الآن، ويرسم لنفسه الشخصية المهنية التي يحب أن يكونها، ويعمل من أجلها على أقل تقدير لمدة خمس سنوات، لتحصيل المعارف والمهارات اللازمة، واستثمار سنوات الخدمة الوظيفية في تطوير الخبرات في الاتجاه الذي يريد، وأنا مطمئن تماماً أن جهات العمل، خصوصاً الحكومية سوف توفر لك فرص التنمية والتطوير الذي تريد، لأن اكتسابك للمهارات الجديدة سيعود عليها تحسناً في أدائك وروحك المعنوية التي ستشيع الحماس في بيئة العمل، ولكن إن وجدت عائقاً فعليك تذليله، أو الانتقال إلى عمل آخر أكثر استعداداً لمساعدتك على تحقيق أهدافك التي سوف تصنع المجد الذي تريد بعد تقديم ورقة التقاعد. وحتى ألقاكم مجدداً .. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود