الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

تعددت الأسباب والموت واحد

رحاب الكيلاني كاتبة وأكاديمية إماراتية تحملت بطلة رواية (شجن بنت القدر الحزين)، للكاتبة الإماراتية سارة الجروان، أصناف العذاب والقسوة من مجتمع متسلط، وجهت فيه أصبع الاتهام إلى السلطة الذكورية المتمثلة في صورة الأب النمطية للوالد الشرقي المستبد، الذي زوّجها وهي صغيرة من رجل غني سكير وماجن عاملها معاملة لا إنسانية، فهربت منه وتطلقت للمرة الأولى؛ إلا أن العائلة أعادت تزويجها مرة أخرى من عجوز له زوجات غيرها، لتستمر معاناتها وتتضاعف أحزانها. أُغلقت الأبواب في وجه استغاثاتها، وصُمّت الآذان عن صرخاتها؛ فلم تجد بطلة الرواية حلاً هذه المرة سوى التنكر بثياب أخيها والهروب من بيت العائلة أولاً، لتواصل سلسلة الهروب إلى البحرين ثانية، إمعاناً في الابتعاد عن كل مسببات القهر والذل. هجرت عائلتها وبلدها وسافرت خفية بحثاً عن حريتها المسلوبة، لعلّها تجد السعادة في مكان ما. التقت في رحلة الهروب والبحث عن الحرية برجلٍ آخر سخّره القدر لمساعدتها حين كانت ضعيفة وخائفة، وساعدها على العمل في مقرّ إقامتها الجديد، وبدأت الحياة تبتسم في وجهها. تطرح الكاتبة هنا مشكلة اجتماعية تتلخص في مواجهة التقاليد والأعراف البالية التي تُكره الفتيات على الزواج، ورسم طريقهن بأقلام ليست على هواهنّ، وتُوجِد لهن حلاً يكمن في الهرب؛ وهو وإن كان حلاً سلبياً في نظر البعض؛ إلا أنه يحمل في طياته خروجاً على السائد حين تتمرد المقهورة على قوانين المجتمع ونواميسه وأعرافه. لكن، هل يسمح المجتمع بذلك الهروب؟ بالطبع لن يسمح، وستتعقب العائلة ابنتها الشاردة إلى البحرين، وهناك ستوجه لها طعنة الموت على سريرها انتقاماً لشرف العائلة الذي لطخته بهروبها. لا يبدو أن هناك جديداً قدمته القصة، فهي نمطية في سيرورتها، وقد قُدمت من قبل بأكثر من صورة عن المرأة الهاربة التي تجدها عائلتها ولو بعد حين فتعيدها إلى سجنها، أو تقتلها انتقاماً منها. لكن ما يدعو للتساؤل في هذه القصة، وما يوقفنا حقيقة هو القدر الذي لاحق الهاربة قبل أن يلاحقها المجتمع. فـ (شجن) بعد هروبها واستقرارها لن تنعم بالراحة، ولن تستمتع بالحرية كما تصورت، لأن المرض الخبيث والورم الذي ستكتشفه سيكون عقاباً لها من السماء على خطيئتها حين فكرت في فتح الباب والانطلاق نحو آفاق جديدة دون وصاية من العائلة. تحاسب الكاتبة بطلة روايتها، وتقيدها بقيود أكبر من قيود المجتمع المتسلط، لأن القدر سيبقى بالمرصاد لكل من تسوّل لها نفسها الهروب. «إن هربت من العائلة لن تهربي من السماء»، والعقاب جاهز في الدنيا، المرض المميت المستشري في جسدها الخاطئ. ولكي تحفظ للعائلة ماء وجهها، وتعوضها عن شرفها المهدور لن تموت (شجن) بالمرض الخبيث القاتل، بل ستمنح عائلتها لذة الانتقام منها، وبهجة الانتصار لتلميع صورة العائلة أمام الشامتين، حين يصل أخوها ووالدها فيقتلاها.. تصل سكين الانتقام إلى قلبها لتقتلها وهي ميتة ميتة لا محالة. قتلت الكاتبة بطلتها (شجن) لأنها تمردت، وكان أولى بها الرضوخ أمام العادات والتقاليد باسم القضاء والقدر، وانتظار الموت ببطء في حمى العائلة، لأن العقلية التقليدية مازالت تتحكم في مصائر الناس، وتسيّرهم على أهوائها. وإن كان هذا الحضور المتسلط لا يظهر في المجتمعات الحديثة المدنية، لأن الثأر وغسل العار مخلفات قبلية، فليس هناك شك في أن المجتمع قد طوّر أساليبه كي يبقى محافظاً على نفوذه وسلطته، من خلال المرأة ذاتها. كما تكرس هذه الرواية. هل ما زالت المرأة نفسها تعتقد بأحقية العادات والتقاليد في مصادرة حقوقها؟ والتحكم في حريتها؟ وهل تظن أن أي محاولة للخروج على ما وُضِع لها من حدود ستكون عاقبته الموت، لأن القدر سيكون دوما بالمرصاد؟ تعددت الأسباب والموت واحد! [email protected]
#بلا_حدود