الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

من رائحة الطيّبين

 قبل أيام استقبلتني أمي فور عودتي من العمل قائلة «لقد أرسلت إليّ جارتنا هدية فماذا تتوقعين أن تكون؟» قلت في نفسي إنها لا تتوقف عن إرسال أطباقها الشهية يوماً بعد يوم .. إنها امرأة طيبة وسخية، لكن الأطباق ليست هدية بطبيعة الحال، فماذا تراها تكون أهدت أمي؟ لطالما أحببت العجائز الهادئات المصلّيات المسبّحات اللاتي لا يتلفظن إلا بكلمة طيبة أو دعوة صادقة، وإنها كذلك، كانت جارتنا في الحي القديم من قبل ولادتي وما زالت اليوم جارتنا في الحي الجديد أيضاً، تملك قلباً نقياً ولا أظن أنها أزعجت قطة أو آذت نملة. قلت لأمي «دهن عود!»، ثم ثرثرت بيني وبيني «نعم هذه هي الهدايا التي تهديها عادة عجائزنا الرائعات، دهن عود أو بخور أو مسك أو تمر فاخر أو سجادة صلاة أو ماء زمزم أو قطع منتقاة من أسواق مكة». آه من حكاية جارتنا الطيبة، توفي زوجها قبل أعوام طويلة تاركاً إيّاها وحيدة مع الأبناء والبنات .. ذبلت عيناها من الدمع حين توفيت إحدى بناتها قبل سنوات تاركةً الأحفاد الأيتام في أحضانها واندلعت الحسرة في قلبها حين تورَّط ابنها بالخيانة العظمى، إلا أنها ما زالت صابرة تحب الناس وتبتسم لهم بحنان. ماذا تكون الهدية يا ترى؟ قالت أمي باسمة «أسطوانة غاز يا عليا، لقد أرسلت إلي أمي شيخة أسطوانة غاز، تخيَّلي!» واستأنفت «ساءلت للخادمة ذاهلة: لماذا؟ فقالت إنها هدية من ماما شيخة وأن لديهم الكثير». يا للطيبة والبساطة، أعادتني الهدية اللا مسبوقة إلى زمن لم أعاصره، أخذتني إلى طِباع وخصال توشك على الانقراض، ورشّت في الأجواء شيئاً من عبق أجدادنا الأُوَل، أولئك الطيبين الذين يتقاسمون اللقمة فلا يذوقون التمر إلا وعلى سفرة جيرانهم تمراً مثله ولا يشترون كيس خبز واحد، بل كيسين، واحداً لهم والآخر لجارٍ لا يفصله عنهم إلا سور. المجد لرائحة الطيبين وبساطة قلوبهم ونقاء سرائرهم، وكل الشكر يا أمي شيخة على أسطوانة الغاز. [email protected]
#بلا_حدود