الخميس - 16 سبتمبر 2021
الخميس - 16 سبتمبر 2021

أحلام تقود إلى عزلة

الأحلام ظاهرة صحية مفيدة للإنسان، إن كانت في اليقظة أم في المنام، فهي تحافظ على توازنه العقلي، كونها وسيلة النفس لإشباع رغباتها ودوافعها المكبوتة، وهي وسيلة لتجديد طاقة المخ والتنفيس عن الضغوطات التي تواجه الإنسان وتحيط به وتخنقه أحياناً، فلا يجد لها مخرجاً إلا الحلم بها .. فمن منا لا يحلم؟ عن عالم الأحلام وفوائدها وضرورياتها، تكتب الروائية الإماراتية فتحية النمر ضمن مجموعتها (هي ولا أحد) قصة بعنوان (أحلام). تحكي القصة عن بطل يعيش في هذا الزمان الراكض بجنون ماراثوني على غير هدى، إلا أن هذا البطل يعيش خارج كل هذا الجنون، فهو (في راحة تامة ورضا فيّاض، وفق معايير مختلفة، لا ضجيج ولا صخب، لا قيل ولا قال، كل شيء يسير بهدوء واطمئنان، إبحار في عالم الإبداع). مبدع يعيش خارج الزمن لا يتأثر به، ولا يعكر صفو حياته شيء!! أيعقل ذلك؟! واقع بطل القصة مختلف تماماً، وما هي إلا محض أمانٍ يتمناها البطل ويحلم بها، الحياة حوله قاسية خانقة، هي نقيض ما يريده لنفسه. فجأة وبدون تخطيط مسبق وجد البطل نفسه محاصراً بزوجة وثلاثة أبناء .. الآن فقط بعد أن سُرقت منه عشر سنوات أدرك أنه لم يفهم هذه الزوجة، ولم يعرف كيف زجّه القدر عنوة في هذا السجن الذي ضيّق عليه أنفاسه بما يحيط به من مسؤوليات. هل هناك أجمل من أن يكون الإنسان بنفسه كما يريد هو وكما يختار لنفسه؟ يتساءل البطل. زمن مجنون سرق منه سنوات كثيرة بغتة، ولم يدع أمامه إلا الأحلام وسيلة يتخلص بها من الضوضاء التي تلف حياته لفاً، وتحيط به كيفما التفت وأينما اتجه، المسؤوليات كبيرة والعوائق الصادّة له أكبر. وليس أمامه من وسيلة لمواجهة الأزمة إلا التوحد بذاته والعزلة. تمنى الانفصال عن هذه الزوجة التي كما يقول (لم يفهمها أبداً ولا تمكن من سبر مكبوتاتها). حلم سهل في عيون البعض لكنه صعب المنال عنده، أيجرؤ على المواجهة والرحيل فوراً..؟! لن يستطيع فعلها، يحلم فقط ويتمنى، فالأحلام تضغط على البشر لتحقيقها.. بالأحلام فقط يحيا الإنسان ويسير.. والحلم أولى خطوات تحقيق الأهداف. ولأن حلمه توسع أكثر مما يتحمل، بدأ يمهد للانفصال. فيقرر البطل المجبر هنا كخطوة أولى أن يعتزل زوجته في غرفة داخل البيت، هذا حل مؤقت، وتجربة ربما يُحسنها يوماً في سبيل الانعتاق التام نحو الحرية، لن يلغي حلم الانفصال الأبدي على جثته، إنه حلمه الآن.. وإن لم يستطع تنفيذه فوراً سيؤجله قليلاً ريثما يمتلك الجرأة. لكن البطل يعي أن العزلة المؤقتة ليست حلاً!! فهما يتشاركان الهواء نفسه داخل البيت، وعيناها الوحشيتان اللتان سرح فيهما الجمال يوماً صارتا مرتعاً للشياطين. يبدو حلاً صحيحاً وسليماً: إن ظهرت بوادر النفور بين شخصين فعليهما الابتعاد عن بعضهما كي لا يزيد النفور، لأن اللفتة والكلمة والنظرة والنفس كلها ستضغط أكثر وتجعل الحلو مُرّاً. وكما أن سد الآذان عن الظروف في بعض الأحيان خطوة صحيحة في طريق إيجاد الحلول، فإن التحلي بالصدق من أدبيات النجاح، خصوصاً عندما ينكر المرء الآخر جملة وتفصيلاً: طالبته زوجته نورة خوفاً من الانفصال ببعض الحنان: ألم أزرع شيئاً جميلاً أستحق قطافه؟ أجابها: أيحق المطالبة بحصاد ورود لمن لم يزرع سوى الشوك؟ الأحلام الكبيرة تتطلب نفوساً جريئة وشجاعة، تواجه الصعاب وتتحدى الظروف، وتحتاج أيضاً صدقاً مع الذات ومع الآخر. ولا يجدر بعاقل أن يستمر في تعذيب نفسه بالمزيد من التشبث بحياة أصبح الحكم عليها في عداد الميتة.. لكن ذلك لا يجب أن يكون ذريعة لتبرئة النفس ولوم الآخرين. العزلة ليست حلاً حقيقياً، ربما تكون وسيلة من وسائل إيجاد الحلول.. لكنها لن تكون حلاً أبداً. الحل يكمن في المواجهة والمكاشفة والبحث عن الأسباب والمسببات وتجنبها. لأن ما حصل في هذا البيت مع هذه الزوجة قد يحدث في بيت آخر مع زوجة أخرى. والمشكلة ستحاصر هذا البطل إن كان مع نورة أو مع سميرة. [email protected]
#بلا_حدود