الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

لا يلتقيان أبداً

الحداثة والأيديولوجيا خطان متوازيان لن يلتقيا أبداً مهما زعم البعض العكس، الأيديولوجيا دمرت وتدمر من يتبناها كما هو حال روسيا مثلاً، فرغم مجمل ثرواتها وقيمتها الخيالية إلا أنها ماتزال تدمر نفسها بعناية، والسبب إصرارها على إمكانية الجمع بين المفهومين وتحدي النتائج المجربة والمتوقعة، يتضح الأمر أكثر إذا ما تطلعنا أيضاً لتركيا اليوم ومؤشرات هدمها بإقحام الأيديولوجيات فيها حين نجد أن قرابة الثمانين عاماً من التطوير والتنمية لها يتم التهاون والعبث بها من قبل أردوغان، كل مسيرة التحديث التركية تلك والتي وضعت أساساتها بوقت مضى وكانت سبباً في جعل تركيا تقترب من مصاف الدول الحديثة تتهاوى تدريجياً بفعل سياسة حكومة أردوغان التي أوقفت مسار هذا التحديث لصالح التعامل مع أيديولوجيا دينية ومذهبية وعرقية. تاريخياً فإن البلدان التي تختار هذا المسار وترتكز على الأيديولوجيا أياً كان مصدرها ونوعها في تأسيسها لن تحقق استدامة وستنتهي غالباً نهاية أبدية، أو على الأقل يحل فيها الخراب والتمزق كأسلم نهاية، ولنا في العراق اليوم خير مثال والسودان أيضاً وكيف كانت النهايات. عندما تتحدد هوية البلد بناء على فئة مثلاً دون البقية أو فكرة وإقصاء غيرها ويُمنح شعبها هويته وفقاً للمذاهب أو الأعراق أو القوميات كما فعلت إسرائيل في نموذجها لبناء دولة عنصرية تقوم على أساس الهوية اليهودية فهذا يعني أنها مقبلة على أيام صعبة تخرج فيها الأمور عن السيطرة، وهي بهذه الخطوة تباشر بنفسها في حمل معاول تحطيم أسس حداثتها كافة. عاجلاً أم آجلاً ستجني تلك البلدان ثمار ذلك التهديم الأيديولوجي مهما ظنت فيه خيراً ومهما أوهمت نفسها بجدواه أو حتى عدم تأثيره في إكمال مشاريع حداثتها أو بإمكانية التقاء هذين الخطين، إن لم تكن عن طريق نشوء حروب أهلية أو صراعات تنبثق من الداخل المهتز وتسري في أوصال المجتمع حتى تفسده تماماً فإن الأوضاع على الأقل ستظل متوترة ومنقسمة على ذاتها وغير محسومة فيها، الأيديولوجيا بكل أنواعها هي الوصفة الجاهزة لنسف أسس الدول الحديثة وتقطيع الروابط وإحلال دولة وشعب عنصري أو متطرف مكانها، الدول الحديثة ترى أن من مسؤوليتها ضم شعبها وفق مبدأ المساواة بين المواطنين تحت سقف المواطنة وعلى أساس تمثيل جميع أفرادها دون تمييز ودون محاباة ودون إقحامات أيديولوجية، ولهذا تنجح وتكون فرص استدامتها أوفر.
#بلا_حدود