الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

الصدمة الإسبانية

لمن يأخذ التاريخ والحضارة مثلي على كثير من الجد ولا يجامل، ستهمه هذه المقالة. بالنسبة لي شكلت زيارة جنوب إسبانيا حلماً عشت فيه بين التمني والعمل على تحقيقه مدة طويلة، وعندما تحقق فوجئت ببعض الصدمات التي لم أتمكن من تجاهلها، كما لم أجد سوى الكتابة عنها ملاذاً. أنت كسائح خليجي مع الأسف الشديد، تعيش الدور المرسوم لك بدقة. تنفق الأموال الطائلة مقابل خدمة لا ترتقي لنصف ما تبذله من مرتب تجمعه طوال العام من أجل هذا العدد القليل من الأيام، ناهيك عن نظرات الكره أو في أحسن الأحوال عدم التقبل التي يرمقك بها الجميع من عامل الفندق، وحتى السيدة التي تمر بك لثانية في الشارع. من بين الكثير من العادات السيئة التي يتحلى بها الإسبان ويشبهون فيها العرب، عدم الدقة في المواعيد، وطبيعة وأسلوب الحياة غير الصحي من ناحية الممارسات والتغذية إلا أنهم أبعد ما يكون عن فضائل العرب من كرم وضيافة وأخلاق أصيلة. إسبانيا ومن الواضح لمن يزورها ترزح تحت ثقل الفقر والبطالة والإهمال. تعيش على دخل السياحة من حضارة العرب التي بنوها قبل أكثر من خمسمئة عام، وبكل جرأة تنسب الكثير منها إلى الانتصارات اللاحقة، مع طمس غير ناجح ولا موفق لمن بنى وعمر الحضارة، والتي ما تزال منبعاً يجود لهم بالموقع المحترم عالمياً، وبالمال اللازم لإنقاذهم في ظل غياب أو لنقل ضعف الإنتاج والتقدم الذي قدموه خلال المئات من السنين الماضية. مع ذلك فلا أرى اهتمامهم بما يملكون من آثار وحضارة يليق بها وبحجمها. إضافة إلى أن أغلبها، كأجزاء من المدينة القديمة في قرطبة، مهدد بالإزالة! ما حصل في قصر المعتمد بن عباد في إشبيلية آلمني جداً. أستغرب مع كثرة من يزورون إسبانيا وخصوصاً الجزء الأندلسي منها من مثقفين عرب، إذ إني لم أسمع سوى استحسان ناتج عن عين سائح سطحية ترى فقط ما يراد لها أن ترى. بزيارتك لقصر المعتمد تُدهش في بادئ الأمر بالزخرفة الإسلامية المنحوتة من الأسقف والجدران وبالحرفية والتميز والذوق الإسلامي الأندلسي الرفيع، وبعظمة البناء، وستؤخذ أنفاسك بجمال وجلال تصميم الحدائق الأندلسية التي تحيط القصر. المؤسف في الأمر أن جميع وسائل الإرشاد والتوضيح من أجهزة الدليل الإلكترونية أو الكتيبات التعريفية أو الشرح المكتوب أو غيره تصب كلها وفي كل ما تعبر عنه وتقدمه على الملك الإسباني تشارلز الخامس وزوجته إيزابيل البرتغالية. على الرغم من أن الملك سكن القصر بعد استيلاء الإسبان على إشبيلية وسقوط الممالك الأندلسية الواحدة تلو الأخرى حتى آخرها وهي غرناطة، إضافة إلى حقيقة عدم تغييره لهندسة وتصميم القصر إلا في بعض التفاصيل الثانوية، غير أنه تم تجاهل الدور العربي بالكامل. الزائر لقصر ابن عباد لن يسمع أو يقرأ شيئاً يُذكر عنه أو عن الأندلس، وأتساءل عن معنى هذا وتأثيره في الأمدين القصير ثم البعيد؟ ثم أليس للتاريخ والحضارة حق في الذكر والتنويه، إن لم يكن في الإشادة؟ مثال آخر، كان في مسجد المدينة القديمة المجاورة لقصر الزهراء في قرطبة حيث تم استخدام كلمة «الاحتلال الإسلامي» على الكتيبات الإرشادية والتعريفية للمكان، مع أنه كان مسجداً في الأساس قبل أن يتم تحويله إلى كنيسة، ولم أفهم معنى لفظة الاحتلال هنا ولا دلالاتها؟ أما الملاحظات العامة فهي بخصوص الخدمة السيئة ورائحة الصرف التي يمتلئ بها الطريق من مدريد إلى قرطبة إلى غرناطة وإشبيلية، إضافة إلى أن الطريق أجرد، وجهلهم باللغات حتى بالإنجليزية يجعل التواصل مستحيلاً حتى في أبسط الاحتياجات. كتبت هذه المقالة بصعوبة شديدة. بأصبع واحدة في تطبيق ملاحظات هاتفي الذكي في السيارة التي تهتز في طريق العودة من غرناطة إلى مدريد. ترددت لفترة قبل نشرها أخيراً. أردت مشاركتكم خيبتي. كنت قد أسميتها «شؤون العباد في قصر ابن عباد» ثم غيرته إلى «الصدمة الإسبانية»، كما أني بسّطت من اللهجة التي كانت أكثر حدة وغضباً. فما رأيكم؟ [email protected]
#بلا_حدود