السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

رواية لم أقرأها

كنت أعلم أن من بين الروايات العربية نصاً مهماً، قيل إنه يحمل قيمة فنية عالية، وإنه علامة فارقة في تاريخ الرواية العربية، رغم الظلم الذي لحق بها. هي رواية «قنطرة الذي كفر» للدكتور مصطفى مشرفة، التي كتبها في أربعينيات القرن الماضي، لكنه لم ينشرها إلا مطلع الستينيات. وهي مكتوبة باللهجة العامية المصرية من ألفها إلى يائها. كنت أقرأ عن الرواية أحياناً، لكنني لم أحصل عليها إلا مؤخراً في طبعة جديدة أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة مكتبة الأسرة. ومع أنها بين يدي الآن، فإنني لم أباشر بقراءتها بعد، وما قرأته إلى هذه اللحظة هو المقدمات الثماني التي كتبها عدد من كبار النقاد والأدباء المصريين منهم يوسف إدريس، وفريدة النقاش، وإبراهيم أصلان، وآخرون، ومن هذه المقدمات تعرفت إلى الكاتب نفسه الذي تبدو حياته غريبة، بل مدهشة في تقلباتها، والانعطافات الحادة التي مرت بها. بداية علاقته بالكتابة كانت من خلال قصة قصيرة كتبها بالعامية أيضاً، وذهب بها إلى أحد الناشرين، لكنها رفضت. الغريب هو ردة فعل مصطفى مشرفة التي تجاوزت المعقول، إذ قرر نتيجة لهذا أن يغادر نهائياً مصر التي لا تقدر الفن والأدب، وتحاربهما، فهاجر إلى بريطانيا، وهناك انسلخ عن مصريته تماماً، وهجر الكتابة باللغة العربية، وأصبح يكتب بالإنجليزية، فنشر بها الكثير من النصوص في الشعر والنثر والمسرح والقصة، بل اتخذ لنفسه اسماً إنجليزياً، وتزوج إنجليزية، وحصل على منصب في إحدى الجامعات مدرساً للأدب الإنجليزي. في هذه الفترة عرض عليه عميد الجامعة أن يتقدم للحصول على الجنسية الإنجليزية، فوافق متحمساً، وحمل أوراقه استعداداً للذهاب إلى الدائرة المختصة. يقول أحد أصدقائه محمد عودة: وجد مشرفة نفسه يتجه إلى أحد المبعوثين المصريين ممن كان يعرفه بعض الشيء، فوجده مستعداً للذهاب إلى حفلة، وكان يرتدي «السموكنغ»، لكنه وجده يرتدي أيضاً «صديري» ريفي تحت القميص. ولما سأله أجابه: إنها وصية والدي الفلاح. أعطاني إياه، وأوصاني ألا أرميه من صدري، كي لا أنسى من أنا. وكانت هذه الحادثة بداية لقرار آخر غير مسار حياته، إذا رمى بأوراقه، وترك ما كان قد بدأ يحققه من أمجاد في إنجلترا، وعاد إلى بلده. لكنه عاد هذه المرة بروح مشبعة بالانتماء إلى مصر، فكتب روايته «قنطرة الذي كفر» بالعامية المصرية، وهي الرواية التي قال عنها يوسف إدريس إنها فريدة في أدبنا العربي كله، وإنها من أدق وأروع ما يمكن أن يصل إليه قلم فنان. أما إبراهيم أصلان فيؤكد أنها لو لم تتعرض لهذا التجاهل المقصود لغيرت وجه الكتابة في مصر، ولما كنا وقعنا فريسة لكل صنوف الحذلقة الفكرية والوجدانية البائسة لكي نبرهن على قيمة ما نكتب.. شخصياً لدي فضول كبير الآن لقراءة الرواية، لا لأن آخرين أسهبوا في مدحها، بل لأن حياة كاتبها تبدو مثيرة جداً. [email protected]
#بلا_حدود