الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

شكراً صديقي اللدود .. بفضلك أصبحت أفضل

قرأت كثيراً عن الإحباطات التي تصيب العديد من الناس بعد تلقي الصدمة من موقف غير متوقع لشخص عدّ لعدد من السنين في مرتبة الخل الوفي، ذلك المسمى الذي عُد في الميثيولوجيا بأنه أحد المستحيلات الثلاثة، ولكننا نأمل حقاً أن نتمكن من إثبات عدم صحتها دائماً. هذه الإحباطات غير مقتصرة على الذكور دون الإناث، فالجنسان يشتركان في تلقي الصدمة الكبرى بانكشاف الصورة الحقيقية للخل الوفي الذي لم يعد كذلك في أقل من لحظة، ولبس قناعاً لم نعهده عليه. والحقيقة أنه لم يلبس قناعاً، ولكنه كشف عن حقيقة وجهه الذي أخفاه طويلاً خلف القناع. ولهول الصدمة فإن تلقي تلك الحقيقة العارية لذلك الخل تفقد الإنسان توازنه، وتشوش قدرته المعهودة على موازنة الأمور كما عهد عنه دائماً، فكل ما يحيط به قد تحول فجأة إلى محط تساؤل وشك، وكأنه قد فقد الثقة بكل شيء حتى في نفسه، الأمر الذي يجعله في حاجة إلى من يعينه على فهم الواقع وتحمل المفاجأة ونتائجها، وتمكينه من رؤية الحياة كما هي وليس كما تصورها المشاعر الناتجة عن هول الصدمة التي تعرض لها. إن الصدع الذي تحدثه تلك الصدمة في الثقة العامة بكل شيء يختلف دائماً من شخص إلى آخر، ويكون ذا تأثير مدمر على الشباب وصغار السن قليلي التجربة في الحياة، كما يكون أصعب لمن أمضى حياته كلها معتقداً أنه تمكن من الحصول على الخل الوفي ليتفاجأ بعد عشرات السنين بمثل هذه الصدمة التي قد تفقده عقله تماماً، ومن الغريب أنه في عصرنا هذا أصبحت خيانة الصداقة ممارسة حياتية متكررة في العلاقات الإنسانية التي تحيط بنا، والتي يسفر الكثير منها عن نتائج وخيمة على متلقي الصدمة تصل إلى الوفاة. وفي السياق نفسه نقرأ العديد من الدراسات النفسية التي تعالج هذه المسألة وتناقشها بالكثير من التفصيل، في محاولات مستمرة للحد من تأثيرتها السلبية، ولعل من أفضل ما قرأت تلك التي تتحدث عن الإيجابية المطلوبة في النظر إلى المشكلة بشكل عام، فالخيانة لا تحدث إلا من خائن، وهو من لا يؤسف على فراقه ومن لا يمكن إلا أن يأتي بالأفعال التي جبلت عليها نفسه الرخيصة في التعامل مع الصديق، فانكشافه يضع نهايه للأوقات الثمينة التي يجب أن تستثمر في النافع للإنسان، في حين أن تلك الأوقات الضائعة معه كانت من أفضل الحصص التعليمية التي لا يمكن لأكاديمي أن يعلمها في أرقى الدورات التدريبية. كما أن من أفضل المواقف التي مرت علي في هذا الشأن قصة أحد الزملاء الذي قص علي ما واجهه مع صديقه اللدود الذي كشف بدون سابق إنذار عن وجهه الحقيقي، ضارباً بالصداقة عرض الحائط في سبيل مصلحته ودون تهديدها من قبل صاحبه، فالنقص كما يقول يجعل الإنسان غير قادر على التوقف عن شكه في الآخرين واتهامهم بالعمل ضد مصلحته، فتغلب الأنا التي تدوس أقرب الناس وتضحي بهم. يقول زميلي إنه يضحك كثيراً الآن من الهواجس التي تمر في خاطره والتي تتحدث عن تعامله مع ذلك الناكر للجميل أنه لو تركه يموت عندما أصابته الأزمة القلبية في مكتبه وسقط على الأرض وتحلق حوله من لم يحرك ساكناً وكأنهم ينتظرون موته، ولكنه حمله على كتفيه لينطلق به إلى أقرب مستشفى لإنعاش قلبه، أو لو أنه لم يمد يد العون في أي من المناسبات التي كانت تخصه، حتى زواجه وقف فيه معه عكس أقرب أقربائه، أو لم يعمل ما في وسعه لتخليصه من المشكلة القانونية التي أقحم نفسه فيها وكاد أن يفقد وظيفته المرموقة بسبب تصرف طائش، والكثير من الأشياء التي لا يتمكن من حصرها من أجل من ظن أنه صديقه الذي اكتشف أنه كان وراء تدبير كل المشاكل العملية التي أودت بوظيفته وخسارته لها بعد أن قام بكل ما يستطيع ليتخلص منه لإحساسه بأنه سيكون منافسه الوحيد، وكان يبالغ في تحيته أمام الناس حتى إنه لا يتورع عن تقبيله على رأسه أمامهم ويشهد الله على أنه يحبه. يضحك الزميل ويقول لقد اكتشف بعد الوقت الذي استغرقه للتخلص من آثار تلك الصدمة، أن لولا خيانة صاحبه ذاك ومؤامراته ضده لم يتمكن من الحصول على شهادتي ماجستير والتسجيل في الدكتوراه لتحقيق حلمه القديم الذي طالما حلم بتحقيقه يوماً ما، ولكن التفاني في العمل وموالاة من لا يستحق جعلا هذه المشاريع تتأجل عدداً من المرات، ولكن بسبب صديقه أصبح على الطريق، وعلق قائلاً: لا يسعني إلا أن أقول شكراً صديقي اللدود فبفضلك أصبحت أفضل. [email protected]
#بلا_حدود