الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

فوبيا التغيير (1)

الفوبيا مصطلح علمي يقصد به الخوف المرضي من شيء ما. وعلماء النفس والمحللون النفسانيون تكلموا عن أنواع عديدة منه، كالخوف من الظلام والأماكن الضيقة والأماكن المرتفعة والحشرات، وحتى عند الحديث عن النظرة السلبية إلى كل ما هو ديني وخصوصاً الإسلامي منه، فظهر مصطلح «إسلاموفوبيا». وإذا كان الإبحار في الصنف الأخير من نصيب المفكرين والسياسيين، فإن علماء النفس أبحروا من قبل في الأصناف الباقية، وكل تلك الأنواع ليست مدار حديثنا اليوم. ولكنْ هناك نوع آخر لم يتطرق إليه هؤلاء بكثافة رغم أنه ليس بجديد. ومن المفارقات العجيبة أن صنف الخوف الذي نتكلم عنه اليوم هو أكثر الأنواع شيوعاً، والخبر المحزن -ولا أشيع سراً- هو أن ثمانية وتسعين في المئة من البشر مصابون به ولكن بدرجات متفاوتة. والخبر السار هو أن التعافي منه وتجاوزه ممكن في اتباعنا الطرق المنهجية لإدارته. هل ذكرت لكم ما هذا النوع؟ إنه الخوف من التغيير! وأعتقد أن عدم تناوله من قبل المتخصصين بكثافة هو بسبب شيوعه، ولأنه من النوع المألوف وغير المستغرب، أو كما يقال مما عمت به البلوى. ما التغيير وما أسباب الخوف منه وما طرق علاجه، ومتى نبدأ بالتغيير التالي وغيرها من الأسئلة، تناولتها بالأمس في لقاء تدريبي ضمن فعاليات ملتقى مسقط الأول للتدريب، والذي ضم أكثر من أربعين خبيراً ومتخصصاً من دول الخليج العربي والدول العربية المجاورة، وفي مختلف مجالات التنمية البشرية. ولأهمية الموضوع ولحداثته في العالم العربي، سأحاول تناوله في هذه المساحة. مع الإشارة إلى أنني لا أتطرق إلى المفهوم الشائع حالياً عن التغيير، وهو حصره في المجال السياسي في ظل تداعيات ما عرف بالربيع العربي، وإنما سألتزم بالمسار العلمي والمنهجي الذي يدرس في العالم الغربي. التغيير ببساطة شديدة هو «الانتقال من الواقع إلى المأمول»، وهو سنة كونية ثابتة، أو كما يقال: التغيير هو الثابت الوحيد. فنحن إما أن نتقدم أو نتقادم، إما أن نتجدد أو نتبدد دون أثر، ومن لا يقدر أن يبادر فعليه أن يغادر حلبة الحياة. ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه يحرك ساكناً حتى يحافظ على ما هو عليه؛ لأن الآخرين لن يقفوا مكتوفي الأيدي، فحتى ثباتك يعتبر تقهقراً إذا ما قورن بالآخرين. وتأجيل المشاكل وإبقاؤها دون حل جذري يزيدها تعقيداً، فكلما تأخرنا في إحداث التغيير خوفاً، تضاعفت علينا التكلفة. ومن المؤسف أن التغيير الناجح لا يتم من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى إدارة محكمة تستخدم الموارد المتاحة ضمن مسارات مدروسة وباستخدام أدوات منهجية ومتابعة مستمرة حتى تحقيق النتائج المأمولة. وإدارة التغيير لها تعريفات كثيرة، وأكتفي هنا بذكر تعريفي الخاص وهو «عملية منظمة لقيادة التغيير وتحقيق المأمول بأقل موارد ممكنة». وعلى صعيد المؤسسات فالتغيير ليس ترفاً فكرياً، بل أصبح اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، والأسباب كثيرة منها ثورة المعلومات والاتصالات واحتدام التنافس في الأسواق بين الشركات، وتقلب أذواق المتعاملين وندرة الموارد المتاحة. والجدير بالعلم أن خمسين في المئة من الشركات التي لديها خطط تغيير تفشل في السنة الأولى، في حين أن خمسة وتسعين في المئة منها تفشل خلال السنوات الخمس الأولى. وللتغيير مسارات تمكننا من التمييز بينها وتوفر لنا أداة للاختيار والتفاضل بينها. وأنصح قادة التغيير بأن يكونوا واضحين في أي المسارات يتحركون، حتى يتسنى لهم اختيار البدائل والأدوات الأنسب لكل مسار منذ البداية. وهي في المجمل ثلاثة، وسوف أضرب مثالاً حول مصنع للسيارات الخفيفة لتقريب المفهوم: 1- تغيير الاتجاه أو المجال: الانتقال من صناعة السيارات الخفيفة إلى صناعة الحافلات المدرسية كمثال. 2- تغيير الرتم أو السرعة: إدخال تغييرات في العمالة أو خطوط الإنتاج لرفع الإنتاج من مئة ألف سيارة في السنة إلى ثلاثمئة ألف سيارة في السنة. 3- تغيير النوعية والجودة: إدخال تقنيات حديثة على السيارات ونقلها من فئة السيارات الشعبية الرخيصة إلى فئة السيارات الرياضية أو الفارهة. ولكن لماذا يفشل التغيير إذا كان مبنياً على خطط عمل؟ هنا يذكر المتخصصون أسباباً عديدة، ولكن أبرزها هو ما يتعلق بتجاهل قوانين التغيير، وهي خمسة قوانين هي الذاتية، التحكم، تغيير العقليات، السذاجة، والمثابرة، وسوف أتناولها بشيء من الشرح في مقال لاحق بإذن الله. والسبب الثاني المهم جداً من أسباب فشل خطط التغيير هو تجاهل خطورة العنصر البشري في أي تغيير وخصوصاً تلك الفئة التي تخاف من التغيير أو ترتاب فيه، فتقوم بالمقاومة الإيجابية أو السلبية، وهذه كذلك سوف نناقشها بإسهاب لاحقاً، وكذلك مراحل التغيير على المستوى الشخصي، ومحاور أخرى. وإلى أن نلتقي مجدداً، كونوا على خير. [email protected]
#بلا_حدود