السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

بعد ذاك العَدَم

من عَدَمْ.. حيث كانت لا شيء قبل كلّ شيء. أو قد تكون قد كانت، ولكن لم تكن ذلك الشيء! لكن يبقى الأكيد الذي لا شكّ فيه أنّ خيوطها كانت متناثرة شرقاً وغرباً، تفاصيلها كانت مبهمة ومتآكلة الحواف، على شِباك العنكبوت، تقاوم لزُوجة القبضة التي شلّت حركتها، وجعلتها عاجزة تستغيث في وسط ظلام دامس. كانت تقاوم العدَم.. العَدَم الذي أقصده لم يكن ذاك العدَم المفسّر معناه بقواميس اللغة ومعاجمها، بل هو العدَم الذي بان معناه اليوم في هذا الوقت بالذات، وفي هذا المكان بالتحديد. فحقاً بان أنه كان العَدَم بعينه. كيف لا والحياة التي تحفها اليوم كانت بالأمس مخنوقة، كيف لا والألوان التي تزهى بها اليوم كانت بالأمس مجهولة، والقلوب التي تغني باسمها اليوم بالأمس كانت لا تعرف ما هو اللحن أصلاً، لكي تشدو وتطرب الأسماع والبقاع، حتى الآمال كانت ضائعة والأفكار شاردة والعيون تائهة، وحتى كسرة الخبز كانت مترددة أن تتصدق بنفسها على تلك اليد المتلهفة والجوف الملتهب جوعاً! فبذاك العَدَم كانت تقاوم العَدَم، تحاول.. وتحاول.. إلى أن أشرقت شمس ذاك الصباح، بأشعتها التي توهجت نوراً، وطيورها التي تموجت سروراً، أخيراً جاءت الاستجابة، استجابة المغيث للمستغيث، بتلك اللحظة تغيرت اللوحة، حيث أصبحت ريشة الرسم بين أصابع ذهبية، بل بكف وهبها الله السخاء والعطاء، وجعل لصاحبها القبول والولاء، أخذ يرسم دروباً منيرة فوق تلك الدروب التي كانت تعجّ عليها الأشواك، وأخذ يزرع زهور المحبة بعدما اقتلع تلك الجذوع الخاوية والخالية من أوراق التباشير الخضراء وبراعم الأمل المبهجة. كانت الأرض الطريحة على شباك العنكبوت تلهث، وأناسها ينظرون إلى الأفق بعين مترقبة لهذا المجهول الذي لاح برقه، وأخذ يلوّح بتلك الريشة التي فاح صدقها وإصرارها على التغيير والإقدام. تتسلل كلماته إلى آذانهم بكل هدوء، وبكل حب وترحاب وبلا شعور واستئذان، أخذت تجري تلك الكلمات مع دماء أوردتهم حتى استقرت في قلوبهم، أخذت جدران التفاؤل والعزيمة تعود في أحشائهم، بعدما كانت هشة لا بقاء لها، بدأت تقوى حتى قضت على ذلك العنكبوت وشباكه، بل وجمعت تلك الخيوط واحدة تلو أخرى، حتى صنعت منها مجدها الذي أبهر القاصي والداني، بل وصار مجداً خالداً، وأصبح لها يوم تتغنى به بعد ذاك العَدَم، يوم يسمى «يوم العَلم». [email protected]
#بلا_حدود