الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

تقدير عُمُر

كم عمرك؟ من الأسئلة المحرجة التي تتحاشى النساء الإجابة عنها، وكذلك معشر الرجال، فما إن تسأل أحدهم حتى يجيبك «أنا مب عود، يمكن أنا وأنت نفس العمر»، لا إجابة شافية أبداً. شعور يشي بانعدام الثقة، أن يخجل الإنسان من الاعتراف أو الكشف عن عمره الحقيقي في زمن أصبحت الوسائل الدفاعية لصد عوامل التعرية الزمنية كثيرة ومتطورة، إلى حد أننا لا نستطيع أن نميّز فيه اليوم الولد من الأب، ولا الشابة عن العجوز، فمع الحياة المرفهة، وارتفاع مستوى المعيشة، وازدهار عمليات التجميل والبوتكس، ورواج مستحضرات العناية بالبشرة حتى بين فئة الرجال أصبح من الصعب «تسنين» البشر. تراجع علامات تقدم السن أوجد ردة فعل عكسية تجاه رقم تشي به كل الوثائق الرسمية لا محالة، ولا يمكن العبث أو التلاعب به، إلا في بلدان يمكن فيها تغيير المعلومات الشخصية، وصرف الوثائق الرسمية المزورة في بسطات للراغبين مقابل مبالغ زهيدة من شهادة الميلاد إلى جوازات السفر والهويات وشهادات الخبرة ورخص القيادة، وعلى عينك يا تاجر، وبمباركة الجهات الرسمية في تلك البلدان. لا أدري متى نمت في مجتمعاتنا بذرة الخوف أو الخجل من ذِكر أعمارنا الحقيقية؟ هل عند تسلُّم أول دعوة زفاف مباغتة لابن صديق دراسة كبر قبل الأوان؟ أو عند بلوغ الابنة، أو عندما بدأ الرأس يخضل بالرماد باكراً، أو حينما اكتسبنا ألقابنا الكبيرة كالعم والخال، وبات لا يذكرنا الصغار إلا بأسمائنا الجديدة حينما يحتفون بقدومنا ليمنحونا منزلة الأب والأم، وربما الجد. الناس لا يريدون أن يكبروا، والمفارقة هنا أن الصبيات الصغيرات يجربن ويعملن العجائب لتغيير ملامحهن، ليبدين أكبر من سنهن الحقيقية، والسيدات البالغات أصبحن لا يوفرن حيلة ولا فتيلة ولا أي وسيلة ليكافحن بها هجمات تقادم السن وآثارها، عمليات مستميتة لصد زحف الزمن وتحولاته على أجسادهن، فالبعض بالغ حتى فقدَ روحه، والبعض الآخر غدا مسخاً، دائماً ما يوحي إليك بتماثيل الشمع الجائمة في متحف مدام تسو اللندني. لِمَ الخجل؟ واليوم قد يشيخ الصبي قبل الأوان، بسبب عامل الوراثة، كأن يبيضّ شعر رأسه وهو ابن الخامسة عشرة، وقد تتزوج ابنة صديقتك قبلكِ، فقط، لأنها تزوجت صغيرة وأنجبتها مبكراً، وقد تجد التجاعيد تكتسح وجه صبية لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها لسبب جيني أو مرضي، ولا تشي روحها بسنها الحقيقية، ولا بحيوية فتاة مراهقة. فالعمر يبقى رقماً وهمياً أمام حيوية الإنسان وقيمته في الحياة وقيمته لدى الآخرين ومدى تصالحه مع ذاته. في وعكة والدتي الصحية الأخيرة، وحينما سجلنا معلوماتها في قسم الطوارئ، أذكر أنها كانت في حالة يُرثى لها، ولكنها حينما سمعتني أذكر سنة مولدها، أشارت إليّ وإلى المرضة بـ (لا)، وردّت بصوت مُنهك تماماً «من يقول أنا مولودة سنة ....؟ كان على أيامنا يقدِّرون أعمارنا، ما كان في تسجيل، أنا أصغر». [email protected]
#بلا_حدود