الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

الشكاكون

«إن دخل الشك من الباب، خرجت السعادة من الشباك» .. ما درجة اقتناعك بهذه العبارة عزيزي القارئ؟ بالنسبة لي، فأنا مقتنع بها جداً، واقتناعي بها يصل في بعض مراحله إلى درجة اليقين، فليس مثل الشك شيء يقتل الحب، ويسرق الراحة، ويهدم البيوت. فالإنسان عندما يفقد فضيلة معينة يتوهم أن سائر الناس مثله، فيطلق أحكامه الجائرة عليهم انطلاقاً من نظرته لنفسه، حتى دون أن يُصارح نفسه بهذه النظرة. والإنسان الفطن يشتري راحة باله، ويبتعد عن الشخص الشكاك مادام هذا الابتعاد ممكناً، فمن منا يرتاح لمجالسة إنسان شكاك؟ لكن المعاناة تبدأ عندما يتورط الإنسان بعلاقة وثيقة مع إنسان من هذا النوع، وكلما كانت العلاقة أوثق، جاءت المعاناة أشد. هنا نجد أنفسنا أمام سؤال مخيف نوعاً ما، مفاده: ماذا لو ابتليت امرأة سوية بزوج شكاك؟ المفارقة هنا أن أطراف القضية لا يقفون في أماكنهم الصحيحة، فالزوج الشكاك يتقدم بكل ثقة إلى منصة الادعاء، ويدفع بكل وقاحة بزوجته السوية إلى قفص الاتهام، ليبدأ بعدها بكيل التهم إليها، تمهيداً لإصدار حكمه الجائر عليها. ولو كان هذا الزوج منصفاً، وفي كامل وعيه، لأدرك أن مشكلته ليست مع زوجته، بل مع نفسه، لأن العلة ليست فيها، بل فيه. فالزوج الشكاك هو على الأغلب إنسان غير سوي، متعدد العلاقات، يُسقط نظرته لنفسه على زوجته، وينظر لها بنفس الريبة التي ينظر بها إلى رفيقات لهوه ومجونه. من هذه الحقيقة المؤلمة يمكننا استقراء الحل، فبما أن المشكلة تكمن في نمط حياة الرجل، فالعلاج يبدأ بإعادة صياغة هذا النمط، أي بتعديل سلوكه، وإخراجه من علب الليل الضيقة والمعتمة، إلى فضاءات النهار الرحبة والمشرقة، ليرى بنفسه الجانب الإيجابي من الحياة، وليبصر بعينيه النماذج المشرفة من النساء، فيصبح أكثر تصالحاً مع ذاته، ومع المحيطين به، وتغادر الشكوك عقله بعدها إلى غير رجعة. ورغم وضوح هذا العلاج، إلا أنه مرهون بإدراك الرجل لحقيقة مشكلته، ومدى جديته في علاجها، وهو أمر شديد الصعوبة، ولا تملك الزوجة المغلوبة على أمرها حياله الكثير. قد يسأل سائل: لماذا تطرقت إلى شك الرجل في المرأة، وغضضت طرفك عن شك المرأة في الرجل؟ من وجهة نظري الشخصية (وقد أكون مخطئاً فيها) أرى أن هناك فوارق جوهرية بين شك الرجل وشك المرأة، فشك الرجل أقسى، وأشرس، وأشد فتكاً بالعلاقة، ولا يمكن السيطرة عليه، أو التعايش معه. أما شك المرأة فهو احترازي النزعة، مكتسب من الثقافة السائدة، ومبعثه القلق الدائم من فقدان الزوج، وهو في معظم حالاته أخف وطأة من شك الرجل، ويمكن السيطرة عليه، والتعايش معه. [email protected]
#بلا_حدود