الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

فوبيا التغيير (2)

مازال حديثنا متواصلاً حول قيادة التغيير والخوف المرضي منه، أو ما يسمى بفوبيا التغيير. وقد تناولت في المقال السابق تعريف المصطلحات، وأهمية إدارة التغيير بل وقيادته، وكيف أن كلفة التغيير أقل بكثير من كلفة عدم التغيير، ثم عرجنا على الدوافع وراء ضرورة التغيير في المؤسسات، وأكدنا أن القائد يجب أن يكون واضحاً بشأن مسارات التغيير الثلاثة قبل البدء، وأوردنا بعض الإحصاءات بهذا الشأن، وسوف أكمل اليوم بإذن الله تعالى رحلتنا نحو تغيير ناجح. لماذا يفشل التغيير إذا كان مبنياً على خطط عمل؟ سؤال يحير الكثير. والمتخصصون يذكرون أسباباً عديدة، تتلخص في أمرين: الأول تجاهل قوانين التغيير، والثاني تجاهل خطورة العنصر البشري المتأثر بالمشروع التغييري. أما بشأن القوانين فهي خمسة قوانين أولها الذاتية، ثم التحكم، ثم قانوني أينشتاين لتغيير العقليات والسذاجة، وأخيراً قانون المثابرة لتوماس أديسون. في قانون الذاتية يقول الله تعالى في سورة الرعد (... إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم)، والمعنى واضح وهو أن التغيير يبدأ من ذواتنا، أو كما يقال يبدأ من الداخل إلى الخارج. وهنا أنقل مقولة معبرة، لا أعلم من هو قائلها، تقول: «إن البيضة إذا كُسرت من الداخل أخرجت لنا حياة جديدة، وإذا كُسرت من الخارج فسدت». والحكمة العربية تقول، «فاقد الشيء لا يعطيه»، فكيف يقود التغيير من لا يمتلك مهاراته، ولا يشعر بالحاجة الملحة إليه، كما لا يمكن للمحبط أن يبث روح الإيجابية فيمن حوله. لذا فالبداية هي بالقائد والفريق المتحمس والمتمكن. والقانون الثاني هو قانون التحكم Law of Control «نتحكم في حياتنا بدرجة أفضل كلما كانت البدائل أكثر لحل مشكلة ما»، أي أن امتلاك مهارات توليد الأفكار وبناء سيناريوهات واضحة مبنية على المخاطر، توفر لنا عدداً من البدائل التي يمكننا المفاضلة فيما بينها واختيار أجودها، وفق أولويات المرحلة. وأما انحشارنا في زاوية الخيار الواحد فيجعلنا رهينة الفشل بدرجة كبيرة جداً. والقانون الثالث هو تغيير العقليات لأينشتاين Law of Mentalities Change «لا يمكننا حل المشكلة بنفس العقليات التي أوجدتها»، ومن العجيب أن كسر هذا القانون أمر شائع، فكم مرة يتسبب أحدهم في إحداث مشكلة ما ثم نتفاجأ بتكليف نفس الشخص لحل المشكلة، من دون مساعدته بمعارف أو طريقة تفكير مختلفة، وهكذا تستمر المشكلة وتتفاقم. والقانون الرابع هو قانون السذاجة لأينشتاين “Law of Credulity و«السذاجة أن نقوم بنفس الأمور وبنفس الطريقة ثم نتوقع نتائج مختلفة»، ولا أعتقد أن هناك سذاجة أكثر من الدوران في حلقة مفرغة إلى ما لا نهاية. والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين. والقانون الأخير هو ما أدعوه أنا بقانون المثابرة لتوماس أديسون «النجاح عبارة عن واحد في المئة من الموهبة، وتسعة وتسعين في المئة من الجهد والمثابرة». فمهما كانت لدينا قيادة ملهمة، وفريق عمل يمتلك مهارات عالية، فلن ينجحوا في التغيير إذا افتقدوا لعنصر المثابرة ومتابعة الجهد حتى النهاية. وكم من مشروع عظيم انطلق بحماس وتوقف لانطفاء جذوة حماس القائد والفريق أمام أول عقبة في منتصف الطريق. فتلك حزمة من القوانين التي تجب مراعاتها مجتمعة، والنقص فيها هو نقصان لفرص النجاح. وأنتقل الآن للحديث عن السبب الرئيس الثاني في فشل مشاريع التغيير الكبرى، وهو تجاهل خطورة العنصر البشري سواء المشارك في التغيير أو المتأثر به، ولا سيما أن أكثر التعاريف لمصطلح إدارة التغيير تركز على العامل البشري في التغيير، وخصوصاً فيما يتعلق بالمقاومة، وهنا أستعرض سبعة أسباب توصلت إليها الدكتورة Pat Zigarmi من دراسة قامت بها في جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية وهي كالتالي: 1- الرضى بالوضع الراهن أو ما يعرف بـ Status quo، فأغلب البشر يقاومون الانتقال من منطقة الراحة Comfort Zone إلى منطقة يشعرون أنها تشكل تهديداً لاستقرارهم. ونحن كعرب لدينا الكثير من الأمثال التي تعزز هذا السلوك وتعتبره حميداً، مثل قولنا في الخليج، «الله لا يغير علينا»، ليس كرهاً في الجديد، بل خوفاً منه ورضاً بما نحن فيه. 2- الخوف من زيادة الأعباء والمهام نتيجة للتغيير المطلوب. 3- الخوف على المكتسبات الشخصية، مثل المنصب والمميزات المادية والمعنوية، نتيجة لعدم ثقة الفرد بقدراته ومهاراته وخوفه من انكشاف ذلك عند التغيير. 4- نقص المعلومات، فلو عرفت الأفراد ما تعرفه أنت كقائد للتغيير، وأريتهم ما ترى، وأفهمتهم ما تفهم، فسوف يتغيرون من تلقاء أنفسهم. فلسان حالهم يقول: «لا تبع علي التغيير، فقط قل لي عنه». وهناك أسباب أخرى، ومحاور عديدة لم أطرحها بعد، مثل خطوات تغيير السلوك الشخصي، النماذج العالمية للتغيير، أدوات التغيير، المخاطر السبعة، وغيرها من المحاور التي سوف أكملها بإذن الله في حلقات مقبلة. وإلى الملتقى، كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود