الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

عالم مصاب بالجوع

في النصف الثاني من شهر أكتوبر المنصرم وتحديداً في السابع عشر من أكتوبر تخصص منظمة الأمم المتحدة يوماً عالمياً تعنونه بـاليوم العالم للقضاء على الفقر وتكثف فيه جهودها المتواصلة التي ترمي من خلالها إلى خفض معدلات الفقر العالمي إلى النصف بحدود 2015، إلا أن الأمر مع تفاقم أزمات الحروب والنزاعات في المناطق القريبة والبعيدة يظهر أن أزمات الفقر في تفاقم مستمر وهو أمر متوقع في ظل عالم لا يهدأ.. لكن ماذا عن استمرار تفاقم الفقر في مناطق يشكل فيها العوز حالة شبه مستمرة حتى في ظل تزايد الموارد الداعمة وانخفاض نسبي في درجة النزاعات والصراعات؟ يتناول الباحث الياباني نوبوأكي نوتوهارا في كتابه العرب من وجهة نظر يابانية نواحي متعددة حول ضرورة الانفصال في دراسة أو معالجة أي ظاهرة مجتمعية عن الفكرة النمطية التي كونها الباحث عن المجتمع وظواهره في بيئته الخاصة بالإضافة إلى تجنب تعميم مسألة علاج هذه الظواهر على مختلف أنواع الثقافات والبيئات، ولعل أهم هذه الظواهر ظاهرة الفقر المتفاقم في بعض مناطق العالم الثالث. من الأمثلة التي تناولها الكاتب هو حوار دار بين باحث ياباني ومثقف سنغالي سأل الأول فيه الثاني عما تستطيع اليابان أن تقدمه لمعالجة مشاكل من مثل الجفاف والديون الخارجية ليجيبه الكاتب السنغالي «لا شيء؟» مدعماً هذه الإجابة المثيرة للتعجب بالشرح قائلاً «أرسلت مساعدات مادية ونقدية إلى السنغال ولكن تلك المساعدات لم تلعب أي دور في تطوير بلدنا، إذا اضطررتني إلى الكلام أقول: أريدكم أن تعطوا فرصاً للجيل الجديد في السنغال ليتعلم التكنولوجيا لتطوير بلدنا».. وهنا نستطيع أن نلحظ بوضوح أن كثيراً من الجهود حول العالم تركز على العطاء الشامل لا التفصيلي لمحاولة الحد من أي مشكلة.. فالموارد المتوفرة بكثرة قد تعني شيئاً إذا ما كان الجهل هو المشكلة الأساسية التي تقود إلى ما سواها من مشاكل ومعوقات للحياة. تأسيس الإنسان على الوعي بما يمتلك في شراكة إنسانية قوامها التعلم المتبادل هو حاجة أساسية تساوي في ذلك توفير المورد نفسه.. لكن من الضروري جداً في تلك الشراكة أن يذهب الطرف الأول إلى أن مساعدة الطرف الثاني هنا لا تعني أن يجعل منه نسخة تشبهه، على اعتبار أن القيم والمبادئ التي يأتي بها هو من مسقط رأسه أو البيئة اللذين شكلا مورداً أساسياً لثقافته هي العليا منتقصاً بدون دراية منه قيم المجتمعات الأخرى وماحياً لها في سبيل علاج المشكلة لتتولد عن ذلك مشكلة أخرى مبطنة بصراع بين طبقتين لا بين نسيجين في سعيهما للفهم والعلاج المشترك. الملاحظة والبحث والتقصي والدراسة هي حالة متواصلة من التعلم، قوامها الحوار بالدرجة الأولى، الحوار الذي قد يذيب الحواجز الروحية بين كيانين وثقافتين.. ولا يعني أن يُنظر للجوع على اعتبار أنه مشكلة خاصة بفناء فصيلة بعينها جسدياً.. إذ إن الجوع الروحي للفهم لهو أكبر وأشد وطأة فهو حتى للمانح ليس أكثر من شعور بالرضى الزائف.. متناسياً ارتباط حساسية أي ظاهرة من هذه الظواهر المتعلقة بمنطقة شعورية للمتلقي. فصحيح أن العطاء يرتبط بنبل وسمو أخلاق المانح إلا أنه يجب أن لا يغفل في ظل اندفاع تلك الرغبة وذلك العمل كرامة الطرف الآخر مع أهمية أن يتم تنظيم عملية العطاء بحيث تشمل مع ذلك خصوصية كل منطقة على حدة. لعل ظاهرة الفقر هنا قد تأتي كمثال مبسط حول العلاقة التي توجد تداخلاً بين ثقافات مختلفة، لكنها لا تلخص بالمجمل غيرها من العلاقات المتشابكة التي يحاول فيها العالم أن يجد نقطة للحل أو الحوار.. وفي دراسة نوتوهارا تلك يمكننا أن نلحظ تلك النقطة المهمة في عملية التداخل التي يكون قوامها المضي بعقلية متساوية تجاه أي قيمة أو أي معتقد محيط أو مقابل، فالأمر الذي قد يبدو لك مستغرباً أو ناقصاً، هو طبيعة وكمال في ثقافة أخرى.. لا أعني في ذلك عدم ملاحظة ومتابعة المشاكل ومحاولة حلها وتقبلها كما هي لدى الآخر، بل فصل ذلك عن المكون الفيزيائي والبيئي للآخر وتقبله كإنسان مماثل لك في نواته ورغباته وحرصه على المضي نحو المستقبل بأقل قدر من الخسائر، ومتمسكاً بهويته وكرامته وإنسانيته الشاملة. [email protected]
#بلا_حدود